دخل شاب على طبيبة وهو شايل أمه بين دراعاته
يخبيها أنا عمري ما سيبتك ولا هسيبك أنا هنا يا أمي أنا هنا.
لكن اللحظة ما طولتش
الأم فجأة ضحكت نفس الضحكة القديمة، وشدت إيدها منه وقالت هات بطاطس!
رجعت زي ما كانت تايهة بعيدة كأن اللحظة اللي فاتت ما حصلتش.
محمد بص للطبيبة وابتسم ابتسامة فيها كسر، وقال بهدوء شوفتي؟ بتيجي لحظات كده كأنها بتفوق وبعدين تروح تاني.
الطبيبة سألته بصوت منخفض وأنت بتستحمل ده إزاي؟
محمد رد وهو بيمسح دموعه عشان اللحظة دي لحظة واحدة تقول فيها اسمي تكفيني أعيش عليها سنين.
خرج من العيادة وهو ماسك إيد أمه كويس، كأنه خايف تضيع منه حتى لو كانت هي اللي مش شايفاه.
وجاء يوم الخميس
محمد نفّذ وعده.
سافر بيها إلى مكة المكرمة، الرحلة كانت صعبة تعب، صراخ، محاولات هروب لكن هو ما سابش إيدها لحظة.
وهم داخلين الحرم، كانت زحمة شديدة والأم في البداية كانت خايفة، بتشد فيه وبتبص حواليها بتوتر.
لكن فجأة
سكتت.
بصّت حوالين الكعبة، عينيها وسعت وهدأت بشكل غريب، كأن قلبها عرف المكان حتى لو عقلها ما عرفش.
محمد وقف جنبها وقال بهدوء إحنا في
الأم رفعت إيدها ببطء وبصوت ضعيف قالت هو جه؟
محمد فهم وسألها مين؟
قالت وهي بتبص لقدام اللي قال لي هيوديني هنا وسابني
محمد غمض عينه لحظة، وبعدين قال أنا جيت بداله وأنا مش همشي.
الأم بصّت له للمرة التانية في حياتها كأنها شايفاه بجد
وقربت منه وقالت كلمة واحدة
طيب.
وسندت راسها على كتفه
وفي اللحظة دي، محمد ما قدرش يمسك نفسه وبكى، مش من الحزن لكن من سلام غريب عمره ما حسه.
بعد العمرة، وهم راجعين
الأم نامت في الطريق، نوم هادي جدًا لأول مرة من سنين.
محمد كان شايفها وبيبتسم، ماسك إيدها، كأنه بيخاف تفلت حتى وهي نايمة.
لكن لما وصلوا
وحاول يصحيها
ما ردّتش.
الدكاترة قالوا إنها توفّت بهدوء من غير ألم كأنها كانت مستنية الرحلة دي بس.
محمد ما صرخش ما انهارش
بس باس إيدها وقال وصلتك يا أمي زي ما اتوعدتي.
القصة دي مش عن الألم
ولا عن المرض
دي عن إن في ناس ربنا بيحطهم في حياتنا مش عشان نرتاح لكن عشان نكون سبب رحمة ليهم.
محمد ما كانش شايف نفسه ضحية
كان شايف نفسه مختار.
ويمكن أعظم حاجة
إنه ما سابش حد سابه الكل.
بعد الدفن رجع محمد البيت لوحده لأول مرة.
البيت كان ساكت بشكل غريب مش هدوء مريح، لكن هدوء فيه فراغ كبير.
السرير اللي كانت بتنام عليه أمه الكرسي اللي كانت تقعد عليه وتضحك لوحدها حتى صوتها وهي بتقول هات بطاطس كان لسه بيرن في ودنه.
قعد على الأرض جنب السرير ومسك خمارها بين إيده وفضل ساكت.
مش بيعيط كأن الدموع خلصت.
عدّت أيام
الناس بتيجي تعزي وتمشي، وكل واحد بيقول نفس الجملة ارتاحت من تعبها.
محمد كان بيهز راسه لكن جواه سؤال واحد بس طب وأنا؟
لأول مرة في حياته ما بقاش عنده حد محتاجه.
بعد أسبوع، وهو بيرتب حاجتها لقى حاجة غريبة.
كيس قديم متخبي في درج تحت هدومها.
فتحُه لقى جواه ورقة صفراء قديمة مكتوب عليها بخط مهزوز
محمد لو إنت اللي بتقرا، يبقى أنا يمكن مش فاكرة شكلك بس قلبي فاكرك.
إيده بدأت ترتعش
كمّل قراءة
أنا عارفة إني بضايقك وبخوفك ويمكن بجرحك بس صدقني يا ابني أنا حاسة بيك حتى لو عقلي تايه.
وكل مرة بقولك وديني مكة مش بس عشان الوعد
عشان كنت بدعي
محمد قعد على الأرض تاني لكن المرة دي دموعه نزلت بقوة.
الورقة كان مكتوب في آخرها
سامحني يا محمد
وأوعى تفضل لوحدك بعدي عيش عشان أنا تعبتك كفاية.
في اللحظة دي محمد فهم.
أمه رغم مرضها كانت شايفة كل حاجة.
يمكن مش بعقلها لكن بقلبها.
مرّت شهور
محمد بدأ يخرج يشتغل أكتر يحاول يعيش زي ما قالت له.
لكن حاجة جواه اتغيرت
بقى كل ما يشوف حد كبير في السن لوحده يقف يساعده.
كل ما يسمع حد بيشتكي من أهله يسكت بس، وعينه تلمع.
وفي يوم
كان ماشي قدام مستشفى، شاف شاب صغير بيزعق في أمه بعصبية زهقت! مش قادر أستحمل!
الأم كانت تايهة شبه أمه.
محمد وقف قرب منهم وقال بهدوء
هتندم.
الشاب بص له باستغراب إيه؟
محمد ابتسم ابتسامة فيها وجع وقال هتندم على كل مرة تضايقها فيها حتى لو هي مش فاهمة.
وسابه ومشي
اللي الناس ما تعرفوش
إن محمد ما كملش حياته زي أي حد.
هو عاش آه
لكن جزء منه فضل واقف عند إيد ست كانت بتعضّه وهو بيضحك.
وعند صوت كان بينده باسمه مرة واحدة وسط ألف نسيان.
وأكتر حاجة
يا رب زي ما اخترتني أخدمها اختارني تاني في الجنة أكون ابنها.