دفعت مصاريف مدرسة ابن اختي
وعايزة الكل يعرف ده.
صوباعي بعد عن زرار الدفع.
ماكنش حسد.. ولا حتى غضب.. كانت حاجة أصغر وأحدّ بكتير.. غريزة وشوشت في ودني وقالت لي استني.. اهدي شوية.
قفلت أبلكيشن البنك من غير ما أدفع.
ليلتها نمت واللابتوب على حجري، كنت براجع الإيميلات القديمة للمدرسة، وبحسب الأرقام في دماغي.
تلات سنين.
ست ترامات.
رقم دخل في الملايين بأسعار النهاردة.
فكرت في ماما، وإزاي داليا مقنعة نفسها إن ماما لسه بتنقذها وهي تحت التراب. فكرت في بابا اللي عمره ما سأل مين بيدفع لأنه بيكره المواجهات.
وفكرت في ياسين.. اللي بقى عنده 15 سنة، وبقى في المرحلة السخيفة اللي الحب فيها بيبقى كسوف والتعالي فيها بيبقى سهل.
العزومة كانت بعد يومين.
قلت لنفسي إني مكبرة الموضوع.
بس التنبيه بتاع البنك فضل واقف هناك.. زي نفس مكتوم، مستني اللحظة اللي يخرج فيها.
الجزء الثاني
يوم العزومة، البيت كان ريحته بط بمرتة ورقاق، والضحك العالي مالي المكان.. بس قلبي كان مقبوض. دخلت وأنا شايلة الحلويات كالعادة، وبابا استقبلني بابتسامته الهادية نورتي
داليا كانت في قمة شياكتها، وجنبها هاني.. اللي كان فعلاً لابس بدلة غالية وبيتكلم بطريقة تخليك تحس إنه هو اللي اخترع التجارة في مصر. وطبعاً داليا كانت طايرة بيه، وكل شوية تبصلي بصه فيها شفقة كأنه بتقول يا حبيبتي يا مي، لسه بتلفي ورا الشركات الصغيرة؟
قعدنا على السفرة، وياسين كان قاعد جنبي، عينه في الموبايل ومسماعاته في ودنه.. كأننا هوا.
داليا بدأت تفتح مواضيع الاستثمارات، وهاني شغال رص مصطلحات البورصة، العقارات، الكومباوندات الجديدة.. وفجأة داليا لفت لي وقالت بصوت مسموع للكل
والله يا هاني، أنا مش عارفة مي أختي دي هتفضل تايهة كدة لحد إمتى؟ يعني البنت كبرت، والمفروض تبدأ تفكر في مستقبلها بدل الشغل اللي باليومية ده.. مش كدة يا بابا؟
بابا سكت، وأنا بلعت لقمة كانت واقفة في زوري زي الشوك. قبل ما أرد، سمعت صوت همس جاي من ناحية ياسين.. كان بيكلم مامته بصوت واطي بس مسموع
يا مامي فكك منها.. هي أصلاً لوزر وفاشلة، هي بس بتحاول تشتري حبنا بالهدايا والساعات عشان تحس
إن ليها لازمة.. سيبك منها وخلينا في
داليا ضحكت بخفة وقالت له يا واد بس عيب.. خالتك طيبة برضه.
الكلمة نزلت عليا زي مية تلج. تشتري حبهم؟ لوزر؟
في اللحظة دي، شريط ال 96 ألف دولار وبالمصري اللي اتدفع في تلات سنين عدى قدام عيني. شريط السهر، وتظبيط الميزانية عشان ياسين ما يتحرجش قدام زمايله الهاي كلاس.
طلعت موبايلي من شنطتي بهدوء شديد تحت الترابيزة.
فتحت أبلكيشن البنك.
جبت أمر الدفع المستديم Standing Order اللي كان بيحول المصاريف أوتوماتيك للمدرسة كل ترم.
وبصوباعي.. عملت إلغاء.
رفعت عيني وبصيت لياسين وابتسمت له الساعة عجباك يا يسو؟
رد من غير ما يبصلي عادية يا خالتو، هاتي حاجة أحدث المرة الجاية.
كملت أكلي ببرود أعصاب غريب.. كنت حاسة براحة مابعدها راحة.
بعد شهرين.. بداية الترم التاني
موبايلي مابطلش رن. داليا. 15 مكالمة فائتة.
رديت في ال 16 ببرود أيوة يا داليا؟
صوتها كان مرعوب، بتعيط وبتنهج مي! الحقيني! رحت أدفع قسط الترم لياسين، المدرسة قالوا لي إن المصاريف ما نزلش فيها المنحة بتاعة ماما! وإن فيه مديونية متأخرة
قلت لها بهدوء منحة إيه يا داليا؟ ماما الله يرحمها ما سابتش مليم للمدارس.. أنتي عارفة المعاش كان يا دوب.
داليا اتلعثمت أمال.. أمال مين اللي كان بيدفع السنين اللي فاتت دي كلها؟!
سكتت لحظة، وبعدين قلت لها ال لوزر يا داليا.. الفاشلة اللي كانت بتحاول تشتري حبكم.. هي اللي كانت بتدفع.
الخط قطع من ناحيتها.
بعد ساعة، لقيت ياسين بيكلمني.. صوته كان بيرعش، مفيش Contempt ولا تعالي خالتو مي.. أنا آسف.. أنا ماكنتش أقصد.. مامي قالت لي إن المدرسة ضاعت مني.. أرجوكي يا خالتو، هاني مش راضي يدفع ملّيم، بيقول ملوش دعوة بمصاريف عيال مش عياله.. أرجوكي ساعديني.
رديت عليه بكلمة واحدة، الكلمة اللي كنت محتاجة أقولها من سنين
يا حبيبي، أنا لسه لوزر.. واللوزر مايقدرش يشيل مسؤولية تقيلة زي دي.. روح اطلبها من الناجحين اللي عندك.
قفلت السكة، وشربت قهوتي، وأنا شايفة اسمي مي في المراية.. مش كمجرد سد خانة، لكن كبني آدمة عرفت أخيراً تحط حدود
النهاية بقلم انجي الخطيب