فتحت باب منزلي
قالت بثباتٍ ثقيل: "أنا أمك." ثم أضافت: "وهذا بيتي." نظرتُ حولي… ثم إلى سارة، التي كانت ترتجف تحت البطانية التي وضعتها أختي عليها
وفي تلك اللحظة أدركتُ أن هذا المكان الذي نشأتُ فيه لم يعد كما ظننت يومًا، وأن الخطر لم يعد احتمالًا بعيدًا، بل واقعًا يقف أمامي بوجهٍ أعرفه جيدًا.
لم أرفع صوتي، ولم أندفع كما توقعت، بل تقدّمت خطوة بطيئة، وقلت بهدوءٍ واضح: "وأنا زوجها… وهذا بيتي أيضًا، والفرق أنني لن أسمح أن تعيش فيه خائفة."
للحظةٍ قصيرة، تغيّر شيء في عينيها، لم يكن خوفًا، بل دهشة خفيفة، كأنها لم تتوقع أن أقولها بهذه البساطة، أو أن أختار هذا الموقف دون تردد.
انحنيتُ نحو سارة وساعدتها على الوقوف، كانت ساقاها لا تحملانها جيدًا، ويدها ما زالت على بطنها، وكأنها تحمي طفلها من خطرٍ لا يُرى، فأسندتُها برفق وقلت بصوتٍ خافت: "تعالي… لن تبقي هنا."
لم تعترض، ولم تسأل، فقط سارت بجانبي، وكأنها اعتادت أن تتبع، لا أن تختار.
مررنا بجانب أمي، ولم ألتفت إليها، لكنني شعرت بنظرتها الثقيلة خلفي، نظرة تحمل معنى الامتلاك أكثر مما تحمل الغضب، كأنها ترى في سارة من انتزع منها ما كان لها وحدها، ولم أفهم ذلك الشعور تمامًا حينها، لكنه بدأ يتسلل إلى داخلي ببطء.
صعدنا الدرج، وكل خطوة كانت تثقل صدري أكثر، ليس خوفًا، بل شعورًا متأخرًا بالذنب، كل مرة تجاهلت فيها شكوى سارة، وكل مرة أقنعت نفسي أن الأمر بسيط، كنت أتركها وحدها في مواجهة ما لا أراه.
أجلستها على السرير، وأحضرت منشفة نظيفة ومرهمًا، وجلست أمامها أعالج ذراعيها بصمت، كانت بشرتها ملتهبة، وكل لمسة تجعلها ترتجف قليلًا، لكنها لم تسحب يدها، فقط كانت تنظر إليّ وكأنها تحاول أن تقرأني، كأنها تسأل بصمت: هل أنت معي أم ضدي؟
قلت بهدوء: "لن يؤذيك أحد بعد الآن."
ترددت لحظة، ثم همست: "قالت إنك لن تصدقني… وإنك ستختارها."
توقفت عن الحركة، وشعرت بثقل كلماتها، ليس لأنها قيلت، بل لأنها صدّقتها، ولأنني منحتها سببًا
رفعت عينيّ إليها وقلت ببطء: "كنت مخطئًا… لكن ذلك انتهى."
لم تبتسم، ولم تبكِ، فقط أغمضت عينيها، وكأنها تحاول أن تمنح نفسها فرصة لتصدق.
دخلت أختي بهدوء، وضعت كوب ماء بجانبها، ثم نظرت إليّ وقالت بصوت منخفض: "أمي في الأسفل." أومأت لها وقلت: "ابقي معها." ثم خرجت وأغلقت الباب خلفي.
نزلت الدرج ببطء، لكن هذه المرة لم يكن هناك تردد، فقط وضوح مؤلم، وعندما وصلت وجدتها في مكانها، كما لو أن شيئًا لم يحدث.
وقفت أمامها وقلت: "من اليوم… لن تقتربي منها."
رفعت حاجبها وقالت: "أنت لا تعرف ما تقول."
أجبت بهدوء: "بل أعرف جيدًا."
ابتسمت ابتسامة باردة وقالت: "كل هذا من أجلها؟"
نظرت إليها وقلت: "ليس من أجلها فقط… بل لأنني لن أكون رجلًا يرى هذا ويسكت."
اقتربت خطوة وقالت بصوت منخفض: "أنا أحميك… هي ستأخذك مني."
عندها فقط فهمت.
لم يكن الأمر عن النظافة… ولا عن التربية…
بل عن غيرة صامتة، لم تُقال، لكنها ظهرت
قلت بهدوء: "لا أحد يأخذني منك… أنت فقط تحاولين كسرها."
تغيرت ملامحها لحظة، ثم قالت: "هي لا تصلح… وستثبت الأيام ذلك."
هززت رأسي: "لن أسمح لكِ أن تجعليها تبدو كذلك."
فتحت الباب وقلت: "اخرجي."
تجمدت وقالت: "هل تطردني؟"
أجبت: "نعم."
لم تصرخ، لم تبكِ، أخذت حقيبتها وغادرت، وقبل أن تخرج قالت: "ستندم."
لم أرد.
أغلقت الباب، وشعرت للمرة الأولى أنني أتنفس، ثم صعدت إلى الغرفة، وجدتها تنظر إلى الباب وكأنها تنتظر.
سألت بصوت خافت: "هل غادرت؟"
أومأت.
لم تبتسم، لكن شيئًا فيها هدأ.
جلست بجانبها وقلت: "هل حدث أكثر من ذلك؟"
ترددت ثم قالت: "كانت تقول إن بعد الولادة سيتغير كل شيء… وستجعلك تصدق أنني لا أصلح أن أكون أمًا."
شعرت بالبرد يسري في داخلي، ليس خوفًا، بل إدراكًا متأخرًا لحجم ما كان يحدث.
في تلك الليلة، بقيت بجانبها، أراقبها، وكلما تحركت اقتربت
وعندما بدأ الصباح يظهر، كنت قد اتخذت قراري…
لن أكتفي بإبعادها…
بل سأحمي سارة… مهما كان الثمن.