جوزي مسافر من شهرين
مسكت التليفون، ورجعت سيبته.
أبلغ البوليس؟
أقولهم جوزي بيستخبى في الدولاب؟
مين هيصدقني؟
في الآخر، أخدت البطانية ورحت أوضة سوسو.
قفلت الباب بالمفتاح.
وحضنت سوسو وهي نايمة.
مغمضتش عيني طول الليل.
كل صوت صغير كان بيوقف قلبي.
صوت التكييف.
صوت عربية في الشارع.
صوت الستارة وهي بتتحرك.
كنت بحاول أسمع..
هل باب الدولاب بيفتح؟
هل فيه حد بيخرج؟
طلع النهار.
الخوف قل شوية.. بس مكانه حل غضب.
لو اللي جوه ده عمر بجد—
هو بيعمل إيه؟ وليه بيعمل كده؟
الصبح، حاولت أبين إني طبيعية.
"ماما، عينيكي حمراء ليه؟"
"معلش يا حبيبتي، حلمت كابوس."
"حلمتي بإيه؟"
"حلمت إن الكيكة اللي كنت بعملها اتحرقت."
سوسو ضحكت: "ماما هبلة."
وأنا بوديها الحضانة، سألتها:
"بابا كان بيلبس إيه لما بيخرج من الدولاب؟"
"ساعات بيجامة.. وساعات هدوم الشغل."
"بيكون لابس كرافتة؟"
"أيوة يا ماما."
كرافتة.. جوه الدولاب؟
سيبتها في الحضانة، وفضلت قاعدة في العربية فترة طويلة.
كان لازم أعرف حاجتين—
مين اللي جوه الدولاب.
وليه بيعمل كده.
أخدت أجازة من الشغل.
وسقت لحد "مول التكنولوجيا".
"عايزة كاميرا صغيرة، بتتوصل بالموبايل، وتكون مستخبية.
نقيت أصغر واحدة.
بتلزق بمغناطيس.
وفيها رؤية ليلية.
اتعلمت أشغلها في عشر دقايق.
ورجعت البيت.
وقفت قدام باب الشقة.. كنت مترددة جداً.
أنا خايفة من إيه؟ ده بيتي.
دخلت.
الهدوء كان مسيطر على المكان.
كل حاجة نظيفة، مترتبة، وطبيعية.
دخلت أوضة النوم.
الدولاب مقفول.
مفيش أي صوت.
بسرعة لزقت الكاميرا ورا البرواز اللي قدام السرير.
ظبطت الزاوية.
اتأكدت إنها جايبة الدولاب كله.
خلصت.
وقفت في الأوضة، قلبي بيدق بسرعة البرق.
مستنية..
أشوف مين اللي هيخرج النهاردة—
من الدولاب ده.
فضلت طول اليوم قاعدة في الصالة، ماسكة الموبايل ومثبتة عيني على شاشة التطبيق اللي متوصل بالكاميرا. قلبي بيدق بسرعة، والهدوء في الشقة كان تقيل لدرجة إني سامعة صوت نفسي.
الساعة بقت تلاتة الفجر. النور في الأوضة كان مطفي، بس الكاميرا جايبة تفاصيل الدولاب بوضوح بفضل خاصية الرؤية الليلية.
فجأة، حسيت بحركة.
درفة الدولاب اتحركت.. اتفتحت ببطء شديد، بدون أي صوت، كأنها مدهونة زيت.
حبست أنفاسي. طلع راجل.. مش "عمر". كان راجل غريب، شعره منكوش، ولبسه متبهدل، بس كان لابس "كرافتة" عمر، الكرافتة اللي كان بيحب يلبسها في مقابلات الشغل.
بص ناحية
جسمي كله قشعر. ده مش لص.. ده حد مهووس بجوزي!
قام وقف قدام المراية، وبدأ يقلد حركات عمر، بيعدل ياقة القميص، وبيبتسم لنفسه ابتسامة باردة.
وفجأة.. الموبايل في إيدي رنّ. كانت رسالة تانية من "عمر" على الواتساب: "وحشتوني يا أغلى الناس، راجع بكره".
الراجل اللي جوه الأوضة اتجمد مكانه، وبص للموبايل اللي كان سايبه على التسريحة. مسكه، وفتح الرسالة، وبدأ يكتب رد!
في اللحظة دي، فهمت كل حاجة. ده مش مجرد دخيل.. ده شخص كان بيتحكم في كل تفاصيل حياتي، بيوهم سوسو إنه باباها، وبيوهمنا كلنا إنه لسه موجود ومسافر.
الخوف اتجمع في قلبي، بس الغضب كان أقوى. قمت بالراحة، دخلت المطبخ، وخدت "السكينة" الكبيرة.
رجعت وقفت قدام باب أوضة النوم، وفتحت الباب بقوة وبصرخة طالعة من أعماقي: "أنت مين؟ وعملت في جوزي إيه؟!"
الراجل اتفزع ووقع الموبايل من إيده. بصلي وعينه كانت مليانة نظرة غريبة.. نظرة شفقة!
قال بصوت واطي ومبحوح: "انتي لسه بتسألي؟ بصي في المراية يا فلانة.."
بصيت
مفيش حد في المراية غيري.
الراجل ده بدأ يبهت.. يختفي زي خيال بيتبخر، لحد ما ملامحه بقت مشوشة تماماً.
"عمر ماماتش في حادثة من ستين يوم يا فلانة.. عمر سابك وسافر بجد، بس انتي اللي رفضتي تصدقي. أنا مش حد غريب.. أنا الكذبة اللي انتي خلقتيها عشان متواجهيش الحقيقة."
وقعت السكينة من إيدي. سمعت صوت سوسو وهي بتفتح باب أوضتها وبتقولي: "ماما؟ بتكلمي مين؟ مفيش حد هنا، زي كل يوم."
بصيت لـ سوسو، كانت ماسكة الدبدوب اللي "بابا" بعته.. بصيت للدبدوب، لقيت فيه جهاز تسجيل صغير، كان بيبث صوت "عمر" المسجل عشان يخلي سوسو تصدق إنه لسه موجود.
وقعت على الأرض، وانهارت من العياط.
لقيت إيد سوسو بتطبطب على كتفي: "ماما، خلاص اللعبة خلصت.. بابا مش هييجي، وأنا اللي كنت بفتح الدولاب عشان أسمع صوته المسجل اللي كان مخبيهولي عشان مسيبكيش لوحدك."
في اللحظة دي، عرفت إن الحقيقة كانت أبشع من أي شبح أو حرامي.. الحقيقة كانت إني فضلت عايشة ستين يوم في كدبة، بطلتها بنتي اللي كانت بتحاول تحميني من وجع الفراق، وأنا اللي كنت عايشة في "الدولاب" الخاص بيا.. دولاب الإنكار.
ودلوقتي.. البيت بقى واسع وفاضي، بس لأول مرة