اتصل بي صهري

لمحة نيوز


تأتي دائمًا كما نتخيّل.
لا تأتي مع الضوء، ولا تكون نظيفة، ولا تصل في الوقت المناسب لتمنع كل الجراح.
أحيانًا تأتي متأخرة، مرتبكة، محمّلة برائحة مطهّر وصوت خطوات مترددة، وتظهر فجأة في تفاصيل صغيرة كأنها تقاتل لتبقى.
أحيانًا تأتي في همسة ممرضة، أو في بكاء طفل، أو في يد ابنة ضعيفة لكنها لم تستسلم.
إذا تعلمتُ شيئًا من تلك الليلة، فهو أن الأم يمكنها أن تتحمّل أشياء كثيرة؛ الفقر، الخذلان، الاختيارات الخاطئة، وحتى المسافات التي يخلقها الأبناء وهم يظنون أنهم لم يعودوا

بحاجة للعودة.
لكن هناك شيئًا واحدًا لا يمكن تحمّله أن تُسرق الحقيقة منها.
أن يُقال لها إن ابنتها انتهت، بينما هي في مكانٍ ما، تقاتل وحدها.
لقد حاولوا سرقتها مني.
وكادوا ينجحون.
كادوا فقط.
الغرفة 212 لا تزال موجودة، وأحيانًا أمرّ بجوار المستشفى فأشعر أن تلك الغرفة لم تكن مجرد رقم، بل كانت الحد الفاصل بين حياتين حياة كنتُ سأخرج منها بلا هناء وحياة عدتُ منها بها، منهكة لكنها حيّة.
ولو تغيّر تفصيل صغير واحد فقط، ربما كنتُ صدّقت الكذبة ورحلت.
لكن الحقيقة، رغم كل
شيء، دافعت عن نفسها.
والآن، عندما يمسك ياسين بإصبعي بيده الصغيرة، أشعر بشيء لا يشبه الفرح فقط، بل يشبه النجاة.
نجونا ليس من الموت، بل من الكذب الذي كان سيعيد كتابة كل شيء.
أنظر إلى هناء أحيانًا، فأجدها صامتة، كأنها لا تزال تعود إلى نفسها خطوة خطوة.
وأحيانًا أسمعها تضحك فجأة مع طفلها، ضحكة خفيفة جديدة، كأنها وُلدت معه.
ليس كل شيء بخير، ولا تزال هناك أوراق ومحاكم وأسئلة، لكن وجودها هنا يكفي ليجعل كل شيء ممكنًا من جديد.
الآن فقط فهمت أن حدس الأم لا يأتي دائمًا
في صورة حنان، بل أحيانًا يأتي على شكل قلق لا يهدأ، أو شك يرفض الصمت، أو صوت داخلي بسيط يقول لك ارجعي.
حتى لو بدا كل شيء منطقيًا، وحتى لو قال الجميع إنكِ تبالغين.
ذلك الصوت أنقذ ابنتي.
أنقذ حفيدي.
وأنقذني أنا أيضًا من أن أعيش بقية حياتي على كذبة.
ولهذا، إن سألني أحد عمّا حدث، لن أتحدث عن أمين ولا عن ما خطط له، بل سأقول شيئًا أبسط بكثير في تلك الليلة، لم أكن قوية كنتُ فقط أمًّا خائفة، لكنها لم تهرب من خوفها.
وبسببه عندما أشرق الفجر، لم أكن أودّع ابنتي بل كنتُ
أبدأ معها حياةً جديدة.

 

تم نسخ الرابط