في الجنازة ستي سابتلي دفتر

لمحة نيوز


له قيمة، ومع السنين والارباح اللي كانت بتتحول لأسهم تانية، المبلغ دلوقتي دخل في أرقام تخض.. إحنا بنتكلم في ملايين، ده غير الأصول.
وأنا قاعدة، لقيت باب البنك بيتفتح بعنف.
أبويا دخل ومعاه حسين ومراته سلوى، وشهم كان قالب أحمر من الغل. أبويا زعق في موظف الأمن البنت دي سرقت حاجة من القبر، أنا شوفتها! الدفتر ده ملكي أنا، أنا ابنها الوحيد!
المدير قام وقف بكل هيبة وقال له يا أستاذ منصور، القانون ما بيعترفش بالصوت العالي. الوصية اتفتحت، والدفتر ده باسم الآنسة أسماء، والتوكيلات اللي فيه بتنقل لها كل حاجة رسميًا من اللحظة دي.
أبويا بص لي وهو مش مصدق أسماء.. إنتِ بجد هتعملي في أبوكي كدة؟ ده أنا اللي ربيتك!
ضحكت ضحكة وجع وقلت له إنت اللي بعتني يا سيادة المستشار.. فاكر لما قلت لستي وهي بتموت سيبيه يتردم عليه؟ أهو الردم ده طلع دهب، بس مش ليك.
سلوى مراته حاولت تغير لهجتها وقربت مني بتمثيل يا حبيبتي يا أسماء، إحنا كنا بنهزر معاكي، إحنا أهل، والبيت بيتك..
قطعت كلامها وقلت للمدير بصوت مسموع للكل يا فندم، أول قرار ليا، بما إني بقيت صاحبة نصيب الأسد في أسهم البنك ده والشركات التابعة ليه.. أنا عايزة الحجز يتم فوراً على فيلا المعادي والمصنع، لأنهم

مرهونين بضمان حسابات قديمة لستي، وأنا بطلب تنفيذ الرهن حالاً.
أبويا وشه جاب ألوان، ورجليه ما شالتهوش فقعد على أقرب كرسي. حسين أخويا كان بيبص في الأرض ومنطقش بكلمة، والغرور اللي كان مالي وشه في المدافن اتبخر.
خرجت من البنك والمطر كان لسه بينزل، بس المرة دي ما كانش بيغسل دموعي، كان بيغسل الهم اللي شيلته سنين. ركبت أول عربية مرسيدس كانت واقفة قدام البنك، السواق فتح لي الباب باحترام، وبصيت من الشباك عليهم وهما واقفين على الرصيف مش عارفين يروحوا فين.
طلعت الموبايل وكلمت الأستاذ حسن المحامي جهز لي ورق القضية يا متر.. مش عايزة أسيب لهم حتى الهدوم اللي لابسينها، زي ما ستي علمتني.. اللي ما يشوفش القيمة في إيديه، يشوفها وهي بتضيع منه.
قفلت السكة وبصيت للدفتر الأزرق الصغير وبوسته.. ستي ما ماتتش، ستي سابت لي عمر جديد.
عدى أسبوع واحد، وكان حالهم اتشقلب.
كنت قاعدة في مكتب المحامي، الأستاذ حسن، وهو بيراجع الورق والابتسامة مش مفارقة وشه. قطع الصمت ده صوت خبط ورزع على الباب، ودخل أبويا ومن وراه حسين، شكلهم كان يقطع القلب؛ الهدوم اللي كانت بتلمع في الجنازة دبلت، وعينيهم فيها كسرة أول مرة أشوفها.
أبويا قرب من المكتب وحط إيده عليه وهو بيترعش أسماء.
. إحنا جالنا إخطار بالإخلاء.. إنتِ بجد هترمي أبوكي في الشارع يا بنتي؟ فين صلة الرحم؟ فين الدين؟
بصيت له بمنتهى الهدوء وقلت له الدين اللي بتفتكره دلوقتي هو نفسه اللي كان بيقول فأما اليتيم فلا تقهر.. وأنا يتيمة الأم وإنت قهرتني. هو نفسه اللي بيقول وآتوا النساء صدقاتهن، وإنت أكلت حق أمي وستي. صلة الرحم دي كانت فين لما كنت بترميني لمراته تهين فيا ليل نهار؟
حسين حاول يتدخل بصوت واطي يا أسماء، أنا أخوكي.. ماليش ذنب في اللي فات، أنا كنت صغير ومش فاهم.
ضحكت بصوت عالي صغير وإنت بتمسكني من دراعي في المدافن وبتقولي روحي هاتي ساندوتش؟ لا يا حسين، إنت كبرت فجأة لما عرفت إن معاك قرشين، ودلوقتي صغرت تاني لما الفلوس طارت.
المحامي قطع الكلام وقال بلهجة رسمية يا أستاذ منصور، الآنسة أسماء مش بس استردت الأملاك، دي اشترت الديون اللي عليك للبنك كمان. يعني بكلمة منها، مش بس الفيلا اللي تتاخد، ده ممكن ترفع قضية حجر وتحجز على كل مليم فاضل معاك.
أبويا انهار وقعد على الكرسي وبدأ يعيط سامحيني يا بنتي.. أنا غلطت.. ستي كانت شايفة اللي أنا مش شايفه.
قمت وقفت، لبست نضارتي السوداء وخدت شنطتي، وقربت منه وهمست في ودنه ستي سابت لي الدفتر عشان تفتح عيني، مش عشان
تقسي قلبي.. أنا مش هرميكم في الشارع، أنا هسيبكم تعيشوا في بيت العيلة القديم اللي في الحارة.. البيت اللي إنت كنت مكسوف منه وعايز تبيعه. هتعيشوا هناك، وتصرفوا من معاشك بس، عشان تعرفوا إن القيمة في البركة مش في المنظرة الكدابة.
خرجت من المكتب وأنا حاسة إني طايرة. المطر كان لبط، والشمس بدأت تطلع. ركبت عربيتي وبصيت للسما وقلت ارتاحي يا ست الكل.. حقك رجع، وحقي رجع، والدرس اتعلموه بالغالى.
فتحت الدفتر الأزرق لآخر مرة، لقيت في آخر صفحة بخط إيدها الضعيف مكتوب يا بنتي، الفلوس سند، بس النفس العفيفة هي اللي بتصونها.. عيشي بالحلال وافتكري إن ربك ما بيضيعش حق حد.
قفلت الدفتر وحطيته في قلبي قبل شنطتي، ومشيت في طريق جديد، طريق ملوش علاقة بالماضي ولا بظلمهم.
بعد ما سبتهم في مكتب المحامي، رحت على بيت ستي القديم.. البيت اللي ربتني فيه. كان البيت مقفول بقاله سنين، ريحته مليانة ذكريات وصوت ضحكتها كان لسه بيرن في الزوايا. قعدت على الكنبة الخشب اللي كانت بتقعد عليها تسبح، وفتحت الدفتر تاني.
فجأة، لفت نظري ورقة مطوية كانت مستخبية في الجيب الداخلي للجلدة الزرقاء.. ورقة قديمة ومصفرة، بس مكتوبة بخط إيد ستي الواضح
يا أسماء، لو قريتي الورقة دي، يبقى الدفتر
بقى في إيدك
 

تم نسخ الرابط