رجعت من المأمورية

لمحة نيوز

 وهي بتحاصر البيت.. إيمي نامت من كتر التعب، وعلاء حلف وهو بيبوس راسها إنها مش هتشوف يوم أسود تاني طول ما هو عايش، وإن حق سارة اللي راح غدر، هيرجع بالقانون وبالشرع.
علاء مشي بالعربية وقلبه واجعه على البنت اللي نايمة ورا، إيمي اللي شافت رعب ميكفيش مية راجل كبير. كان بيسوق وهو بيفكر في سارة الطفلة اللي ذنبها الوحيد إنها وقعت في إيد ناس معندهاش رحمة باسم الدين والتربية.
وصل علاء البيت، لم هدوم إيمي وكل حاجة تخصها في شنطة واحدة. مكنش طايق يقعد في المكان ده دقيقة واحدة كمان، البيت اللي كانت مراته بثينة قاعدة فيه وهي شايلة سر مقتول تحت التراب.
بعد يومين، الخبر سمع في البلد كلها زي الحريقة. المباحث طلعت جثة سارة، والطب الشرعي أكد إنها ماتت من الجوع والخوف جوه الحفرة. بثينة وحماته مرضيّة وقفوا قدام النيابة، وبثينة كانت بتنهار وبترمِي الحمل كله على أمها، بتقول هي اللي قالت لي إن ده تأديب شرعي وان البنت فيها جن!.. لكن القانون مبيحميش المغفلين، ولا القلوب اللي ماتت فيها الرحمة.
علاء قعد مع إيمي في بيت جده القديم، بعيد عن ذكريات بيتهم المسموم. البنت كانت لسه بتصحى من النوم مفزوعة بتصرخ بلاش الحفرة يا بابا!. علاء كان بيخدها في حضنه ويقرأ لها قرآن لحد ما تهدا.
في يوم، وهما قاعدين في الجنينة، إيمي بصت له وقالت بابا، سارة كانت بتكلمني من تحت الأرض.
علاء جسمه قشعر بتقولك إيه يا حبيبتي؟
قالت

له ببراءة كانت بتقول لي اصبري، بابا علاء جاي في الطريق.. هو اللي هينقذنا.
علاء في اللحظة دي عرف إن ربنا رجعه من المأمورية بدري لسبب.. إنه مكنش بس بينقذ بنته، ده كان بيبرد نار سارة الغلبانة ويجيب حقها عشان روحها ترتاح.
بثينة والحاجة مرضيّة خدوا حكم مؤبد بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد. وعلاء كمل حياته ل إيمي وبس، بقى هو الأم والأب، وعوضها عن كل اللي شافته، وكل ما يشوفها بتضحك، كان بيفتكر إن الحق دايماً صوته عالي، وإن الستر آخره بينكشف لو كان مبني على دم وظلم.
بعد شهور من الحادثة، علاء قرر يبيع كل حاجة ويطلع برا النجع خالص، مش بس عشان يهرب من كلام الناس، لكن عشان إيمي متبقاش قريبة من أي مكان يفكرها باللي حصل. اشترى شقة صغيرة في مدينة تانية، وبدأ يبني حياة جديدة خالص.
وفي ليلة من ليالي الشتا، وعلاء قاعد بيراجع دروس إيمي، لقاها سكتت فجأة وبصت للصورة اللي معلقها على الحيطة.. صورة قديمة ل سارة جابها من ملفات التحقيق عشان يحطها لروحها صدقة جارية.
إيمي قالت بصوت هادي بابا.. أنا حلمت بسارة النهاردة.
علاء ساب القلم من إيده وقرب منها حلمتِ بإيه يا حبيبتي؟
قالت وهي مبتسمة لأول مرة بصفاء شفتها لابسة فستان أبيض وشكله جديد أوي، ومكانش فيه طين على إيدها.. قالت لي قولي لبابا شكراً عشان هو خلاني أشوف النور.
علاء حس إن جبل انزاح من على صدره. الكلمتين دول كانوا الخاتمة اللي مستنيها عشان
ينام وهو مرتاح.
النهاية للقصة دي مكانتش في المحكمة
بثينة وأمها قبعوا ورا القضبان، والبلد كلها اتبرت منهم، وبقوا عبرة لكل واحد بيستخدم القسوة أو الجهل باسم التربية والدين.
علاء قدم استقالته من الخدمة عشان يتفرغ لتربية بنته، وفتح ورشة نجارة صغيرة، وكان كل قطعة خشب بيصنعها بيطلع جزء من تمنها لله، بنية إن ربنا يغفر ل سارة ويحفظ إيمي.
ومرت السنين، وإيمي كبرت وبقت عروسة، وفي يوم فرحها، علاء كان واقف ماسك إيدها، وبص للسما وقال في سره يا رب، أنا أديت الأمانة..
وهي ماشية جنبه، مالت على ودنه وهمست عارف يا بابا.. الحفرة اللي كنت فيها زمان دي، كانت هي اللي خلتني أعرف قيمتك وأعرف إنك سندي في الدنيا.
علاء ابتسم ودموعه في عينه، وعرف إن ربنا عوضه عن كل لحظة خوف عاشها بضحكة بنته اللي ملت عليه الدنيا، وإن الظلم مهما طال ليله، لازم الصبح يطلع، والحق يرجع لأصحابه.. حتى لو كانوا تحت التراب.
بعد سنين، إيمي كبرت ودخلت كلية الطب، كانت عايزة تعالج وجع الناس زي ما باباها عالج وجعها. وفي يوم تخرجها، كانت واقفة في الحفلة وماسكة الشهادة بتركيز، وعلاء واقف بعيد بيبص لها بفخر وعينه مليانة دموع.
وهي بتلقي كلمة الخريجين، قالت جملة خلت القاعة كلها تسكت
الإنسان مش بيكبر بسنين عمره، الإنسان بيكبر باللحظة اللي بيقرر فيها يواجه الضلمة عشان يطلّع منها نور.. وأنا مدينة بحياتي كلها للبطل اللي علمني إن الحق عمره ما
بيضيع، وإن الرحمة هي أقوى سلاح في الدنيا.
بعد الحفلة، علاء وإيمي راحوا يزوروا قبر سارة كمال.. علاء كان مهتم بالقبر ده وكأنه قبر بنته بالظبط، كان دايماً يزرع حواليه ورد ويوزع صدقات على روحها.
وقفت إيمي قدام القبر وقالت ارتاحي يا سارة، النور اللي بابا طلّعه يومها لسه قايد، ومحدش هيقدر يطفيه تاني.
وهما راجعين في العربية، إيمي بصت لباباها وقالت له عارف يا بابا، أنا لسه فاكرة ليلة ما رجعت من المأمورية.. ريحة الجاكت بتاعك وهي بتحميني من برد الحفرة كانت هي الأمان اللي خلاني أعيش لحد النهاردة.
علاء طبطب على إيدها وقال لها يا بنتي، المأمورية الحقيقية في حياتي مكنتش الحرب اللي على الحدود، المأمورية الحقيقية كانت إني أحافظ عليكي وأربي فيكي إنسانة تعرف تفرق بين الدين اللي كله رحمة، وبين الجهل اللي بيلبس قناع الدين.
علاء عاش بقية عمره في هدوء، وإيمي كملت مسيرتها، وبقت دكتورة إيمي المنشاوي معروفة في كل مكان بإنها بتعالج الأطفال الغلابة مجاناً، وكأنها بتكفّر عن اللي شافته سارة، وبترد الجميل لربنا اللي بعت لها أبوها في الوقت المناسب.
الخلاصة
البيوت مش حيطان، البيوت أمان.. والستر مش إننا نداري الجريمة، الستر إننا نحمي البريء. وعلاء المنشاوي فضل في نظر بنته وفي نظر كل اللي عرفوا قصته، هو البطل اللي مغلبتوش الحرب، لكنه انتصر في معركة الإنسانية.
هذه القصص مقتبسه من احداث اجنبيه اي لا تمثل مجتمعنا
الشرقي 
حكايات صافي هاني

تم نسخ الرابط