كل ما اروح بيت حمايا

لمحة نيوز


​صاحب المحل طلعلي حاجة مربعة قد علبة الكبريت.
​"دي أحدث حاجة، تصوير ليلي واضح، وبطاريتها بتقعد 3 شهور، وتقدري تشوفيها من موبايلك."
​قلبي كان بيدق بسرعة.
​"بكام؟"
​"تلات تلاف."
​دفعت الفلوس علطول.
​وأنا ماسكة الكاميرا الصغيرة دي، حسيت إني ماسكة قنبلة.
​ممكن تدمر الجوازة دي.
​وممكن تدمرني أنا شخصياً.
​بس مكنش قدامي حل تاني.
​لازم أعرف.
​في وقت "الغيبوبة" اللي بتجيلي كل سبت...
​إيه اللي بيتحضر من ورايا.
عدت الأيام زي السلحفاة. قلبي كان بيدق في ودني مع كل تكة ساعة. كل ما أحمد يبص لي، كنت بحس إنه بيبص على "فريسة" مش مراته.
​يوم الخميس بليل، أحمد كان في الحمام. استغليت الفرصة، وطلعت الكاميرا من شنطتي. إيدي كانت بتترعش، مش خوفاً من كشف أمري، بس خوفاً من اللي ممكن أشوفه.
​دخلت أوضة المكتب. كانت ريحة السجائر الفاخرة لسه موجودة، ريحة ريحة "سلطة" حمايا اللي بتخنق. اتسحبت زي الحرامية، وبدأت أدور على مكان مناسب. ورا المكتب؟ لأ، باينة. جوه المكتبة؟ ممكن.
​عينيا وقعت على تمثال نحاسي صغير على المكتب، هدية من أحد مرؤوسيه. التمثال مفرغ من تحت. ده هو المكان المثالي. لزقت الكاميرا، ووجهتها ناحية الكرسي اللي بيقعد عليه حمايا.
​لما خرجت، كان أحمد طالع من الحمام بينشف شعره.
"كنتي بتعملي إيه في المكتب؟" سألني بصوت عادي، بس قلبي وقف.
"كنت... كنت بدور على كتاب أقراه." قلتها وأنا بحاول أبين طبيعية، رغم إن عرق بارد كان بيجري على ضهري.
هز راسه ورجع يقلب في الموبايل. مكنش حاسس إنه نام في نفس الأوضة اللي هتكشف كل ألاعيبهم.
​جت اللحظة الحاسمة، يوم السبت.
البيت كان مليان حركة. ريحة أكل دسمة، وضحكات رجالة عالية. أحمد كان بيتحرك بهمة، بيحضر

المشروبات. أنا كنت قاعدة في الصالون، حاسة إن روحي بتنسحب مني بالتدريج بمجرد ما دخلت العتبة.
​"نورهان، تعالي كلي الشوربة دي، دي معمولة مخصوص عشانك، عشان صحتك يا بنتي." صوت حمايا كان حنين، بس كان فيه نبرة خلت جسمي يقشعر.
بصيت للشوربة. كانت بتطلع بخار كثيف. أحمد كان باصص لي بابتسامة تشجيع.
"اشربي، مش عايزة تضيقي بابا؟" قالها بهمس.
​شربت. مكنش عندي خيار. طعمها كان غريب شوية، مسكر زيادة عن اللزوم.
بعد دقايق، بدأت الدنيا تلف. السقف بيتموج، والصوت بقى بعيد وكأنه طالع من بير.
كنت عارفة إنها هتحصل.
وقعت على الكنبة، بس قبل ما الضلمة تسيطر، كنت شغلت تطبيق الكاميرا على موبايلي المخبى في جيبي، وسبته مفتوح.
​المرة دي، كنت مصممة أفضل صاحية. قرصت إيدي لدرجة الدم، بس تأثير الحاجة اللي في الشوربة كان أقوى من إرادتي. وقعت في الغيبوبة.
​صحيت. الساعة عشرة بليل.
نفس التوقيت. نفس السكون.
أحمد كان نايم جنبي، بيشخر بانتظام.
إيدي اتجهت فوراً للموبايل. فتحت التسجيل اللي الكاميرا بعتته.
قلبي كان بيخبط في ضلوعي كأنه عايز يخرج.
​الفيديو بدأ.
أوضة المكتب. حمايا داخل ومعاه حد غريب، واحد شعره أبيض وبيلبس نضارة طبية، واضح إنه من كبار المسؤولين.
قعدوا، وبدأوا يتكلموا.
"السم في الأكل؟" حمايا قالها بكل برود.
"مش سم يا سيادة اللواء، ده نوع من المهدئات المركزة، بتخليها في حالة خضوع تام. تقدر تمضيها على أي ورق من غير ما تحس."
رد الراجل التاني.
​الورق. أراضي. عقود بيع. شركات.
حمايا كان بيستخدم جسمي كـ "كبش فدا"، بيخليني أمضي على أوراق فساد، أوراق بتدمر ناس، أوراق بتدخلني السجن مكانه!
وأحمد؟
أحمد دخل المكتب في الفيديو.
"المدام نامت؟" سأل الأب.
"
زي كل مرة، نامت نوم أهل الكهف. امضوا براحتكم."
​اتفرجت على جوزي، شريك حياتي، وهو بيسند إيدي على الورق عشان يطبعوا بصمتي، وأنا نايمة زي الجثة.
السكين اللي دخل قلبي مكنش كفاية.
كنت حاسة إني بتمزق.
كل كلمة "صحتك ضعيفة"، كل "يا حبيبتي ارتاحي"، كان وراها خطة عشان يغيبوا وعيي ويسرقوا مستقبلي، بل ويدبسوني في جرائمهم.
​قفلت الموبايل.
دموعي مكانتش نازلة، لأن اللي جوايا كان أكبر من الدموع.
بصيت لأحمد اللي نايم بسلام.
النهاردة، الغيبوبة انتهت.
بدأت "حياتي" الحقيقية.
قمت من مكاني بهدوء، رجلي كانت بتترعش بس أعصابي بقت حديد. الموبايل في إيدي زي القنبلة الموقوتة، والبيانات اللي عليه هي اللي هتحرق مملكتهم اللي بنوها على جثتي.
​أحمد كان بيتقلب في نومه، بيحلم بأرباح صفقاته المشبوهة، ميعرفش إن كابوسه بدأ دلوقتي. دخلت أوضة المكتب، فتحت الخزنة اللي كنت عارفة مكانها بالصدفة، ولقيت فيها ملفات.. مصايب. أوراق بيع أراضي دولة، عقود تمليك لشركات وهمية، وكلها متزيلة ببصمة إيدي اللي خدوها وأنا في غيبوبة.
​صورت كل ورقة، كل مستند، كل دليل يدين "سيادة اللواء" وابنه. مكنتش بشتغل لوحدي، كنت ببعت النسخ دي على "سحابة" إلكترونية مش ممكن يتمسح منها حاجة، ومعاها رسالة مجدولة لمحامي كبير، لو مكنتش موجودة في مكان آمن الصبح، كل ده هيروح للنيابة والصحافة.
​رجعت الأوضة، أحمد صحي على صوت حركة، بص لي بنص عين:
"إنتي صاحية ليه يا نورهان؟ مش قولتلك نامي وارتاحي؟"
صوته كان لسه فيه أثر النوم، بحته "الحنية" المصطنعة اللي بتموّتني.
​بصيت له وابتسمت، ابتسامة باردة خليته يقعد في السرير بخوف غير مبرر:
"أنا ارتحت كفاية يا أحمد.. الفترة اللي فاتت كلها كنت نايمة،
بس خلاص، مفعول الأكل بتاعكم ده راح."
​قعد يتعدل، ملامحه اتغيرت: "قصدك إيه؟"
"قصدي إن المسرحية خلصت."
​خرجت من البيت وأنا مش واخدة معايا غير شنطة صغيرة فيها حاجاتي الضرورية. ركبت تاكسي، ومع كل متر بيبعدني عن البيت، كنت بحس إني بتنفس لأول مرة من تلات سنين. مروحتش لأهلي عشان ميأذوهومش، روحت لشقة صغيرة كنت مأجراها باسم مستعار من فترة، احتياطي للزمن، وزي ما قلت، الزمن جيه.
​الصبح بدري، موبايلاتهم بدأت تضرب نار. مكالمات من مكتب المدير، من شركاء، من "سيادة اللواء" اللي أكيد اتجنن لما عرف إن النسخ الأصلية اختفت، وإن اللي في الخزنة صور بس.
​أحمد اتصل بيا ميت مرة. في المرة رقم مية وواحد، رديت.
"إنتي فين يا نورهان؟ إنتي مجنونة؟ إنتي متعرفيش إحنا مين؟"
صوته كان مزيج من التهديد والرجاء.
رديت عليه بكل هدوء: "عارفة كويس إنتو مين يا أحمد. إنتو شوية لصوص، بس مش أي لصوص.. إنتو لصوص أعمار."
​"ارجعي يا نورهان، هنتفاهم، كل ده سوء تفاهم.."
"السوء تفاهم ده هتحله النيابة. أنا بعت كل حاجة، ومعايا تسجيلات تانية هتخلي أبوك "اللواء" يترقى لرتبة سجين."
​قفلت الخط، ورميت الشريحة.
بعد أسبوع، مصر كلها كانت بتتكلم عن قضية "الاستيلاء على أموال الدولة"، وتصدر اسم "اللواء عادل" مانشيتات الجرايد. فيديوهات الكاميرا اللي زرعتها في المكتب كانت هي الدليل القاطع، لدرجة إنهم ملقوش ثغرة يهربوا منها.
​أنا دلوقتي في مكان بعيد، بدأت حياة جديدة، باسم جديد، وبحلم جديد. لسه أحياناً بحس بالخوف لما حد يقدملي أكل غريب، ولسه بتجيلى كوابيس عن الساعتين اللي كنت بنامهم، بس الفرق إن دلوقتي، أنا اللي صاحية.. ومحدش تاني يقدر يغيب وعيي، لا حمايا، ولا أي "لواء" في
الدنيا.
​المعركة خلصت، وخرجت منها بقلب قاسي، بس حرة.. ودي كانت أغلى تمن دفعته.

تم نسخ الرابط