رجعت من دبي الكاتبه نور محمد
مئات الناس المضحوك عليهم متجمهرين، بيصرخوا وبيكسروا في العمارة. البوليس جه، وحصل تدافع وضرب... نور من خضتها وانهيارها أغمى عليها في وسط الزحمة والدوس... ولما فاقت في المستشفى، عمر مكنش في إيدها... عمر اختفى في الزحمة دي ومحدش شافه.
نور رفعت راسها، وشها كان غرقان دموع وقالتلي بصوت متقطع، كله حشرجة ووجع
دورت عليه في كل مكان يا حسن.. أقسام، مستشفيات، ملاجئ، شوارع.. طبعت صوره ولزقتها على كل حيطة في مصر. الفلوس اللي كنت بتبعتها مكنتش بتسدد ديون المستريح.. دي كانت بتروح للمحامين، والمخبرين، والناس اللي كانت بتستغل لهفتي وياخدوا فلوس عشان يدوروا معايا ويطلعوا نصابين.. بعت الشقة عشان أدفع للي قالولي لاقوه في محافظة تانية وطلعوا بيكدبوا. كل قرش بعته اتصرف على أمل إني أرجعلك ابنك.
الطفل الغريب
بصيت للطفل اللي قاعد على الديسك، كان بيترعش من الخوف وبيبصلنا بعيون واسعة. قولتليها بغضب مكتوم ومين ده؟ وليه كنتي بتبعتيلي صوره على إنه عمر؟ ليه عيشتيني في كدبة؟
نور مسحت دموعها
ده يحيى... لقيته في الشارع من ٣ سنين. كنت بلف في الشوارع زي المجنونة أنادي على عمر في عز البرد، ولقيت ده مرمي جنب كشك مقفول، بيموت من الجوع والبرد. مقدرتش أسيبه.. حسيت إن ربنا بعتهولي عشان أرحمه، يمكن ربنا يرحم ابني ويبعتله اللي يحن عليه في الشارع. أخدته وربيته، ولما جه وقت المدارس، استلفت يونيفورم وصورتهولك من زوايا متبينش وشه أوي، أو كنت بستخدم برامج تعدل في ملامحه عشان شبه عمر... كنت خايفة أقولك الحقيقة، خفت تموت مقهور لوحدك في الغربة، قولت أطمنك لحد ما ألاقي عمر الحقيقي.. بس السنين سرقتني، وعمري ضاع في البدروم ده.
المواجهة مع النفس رسالة قاسية
في اللحظة دي، الغضب اللي كان جوايا ناحيتها اتحول لغضب من نفسي.
بصيت لإيدي اللي خشنت من شغل الغربة، وبصيت للمكان الكئيب ده. أنا كمان كنت شريك في الجريمة دي!
أنا اللي قررت أغيب ٦ سنين متواصلة عشان أجمع فلوس.. عشان أعمل مستقبل. بس الحقيقة إني دمرت الحاضر. لو كنت نزلت
احنا في الغربة بنتحول لمكن شغال، بننسى إن الزوجة دي إنسانة محتاجة سند وضهر جنبها، مش بس رصيد في البنك. البعد بيخلق فجوة، بيخلي أقرب الناس ليك ياخد قرارات كارثية من دافع الخوف أو الوحدة.
النهاية.. وبداية الطريق
قمت من مكاني، مشيت ناحية نور ويحيى. نور كشت في نفسها، كانت متخيلة إني هضربها أو هطردها. بس أنا نزلت على ركبتي، وحضنتهم هما الاتنين.
نور صرخت بعياط هستيري في حضني، كأنها بتطلع كبت ووجع ٤ سنين من الخوف والذنب والوحدة.
قولتلها بصوت هادي، رغم إن قلبي كان بينزف
مسامحك يا نور... احنا الاتنين غلطنا. أنا غلطت لما سبتكم السنين دي كلها عشان ورق ملوش قيمة، وانتي غلطتي لما خبيتي عليا. الفلوس اللي راحت مش زعلان عليها.. ويحيى ده من النهاردة ابني، كفاية إنك حميتيه من الشارع، وربنا هيجعل ده في
بصيت ليحيى، اللي ابتسم بخوف، ومسحت على شعره، وبعدين بصيت لنور وقولتلها بحسم
بس من بكرا الصبح.. إحنا هنسيب البدروم ده. هأجر شقة صغيرة على قدنا، وهنبدأ من الصفر. والمرة دي، أنا اللي هدور معاكي على عمر.. هندور عليه في كل شبر في البلد دي لحد ما نلاقيه. مش هسافر تاني، ومش هسيبك تاني.. العيلة هي المستقبل، مش الفلوس.
خرجنا من البدروم في اليوم ده، شيلت يحيى على كتفي، وماسك إيد نور اللي كانت بترتجف. الشارع كان زحمة ودوشة، بس لأول مرة من ٦ سنين، أحس إني رجعت مصر بجد.
رسالة القصة
المال عمره ما كان بديل لوجود الأب والزوج. الغربة الحقيقية مش إنك تعيش في بلد تانية، الغربة هي إنك تبعد عن تفاصيل حياة عيلتك لحد ما تكتشف إنك بقيت غريب عنهم. والأهم.. إياك تثق في أي وعود بالثراء السريع أو تشغيل الأموال خارج الإطار القانوني، لأنها مش بس بتسرق فلوسك.. دي ممكن تسرق حياتك كلها.
تمت لو عجبتك القصه متنساش تدعمها بلايك وكومنت بصلاه على النبي محمد ومتابعه للصفحه مع تحياتي