من ١٨ سنه بقلم انجي الخطيب
سنين تقرب كدة. بس مكنش قرب حب، كان قرب مواجهة.
قالت لي بهدوء يقطع القلب عارف يا سامح، ال 18 سنة اللي نمنا فيهم في أوض منفصلة، كنت كل ليلة بستنى تيجي تخبط على بابي.. تقول لي وحشتيني، أو حتى تقول لي أنا آسف على أي حاجة. بس إنت كنت بتنام مرتاح، كأنك مش شايف إن في بني آدمة بتنطفي جنبك.
كملت وهي بتبتسم وجع السرطان لما جالي، محزنّيش قد ما حزنّي إني كنت بفتح الموبايل وأنا في الإفاقة، عشان أطمن عليك.. ألاقيك منزل صورة وأنت بتضحك وبتقول أحلى وقت مع البحر. يومها بس، السرطان مات جوايا، ومعاه مات كل شعور كنت شايلاه لك.
مديت إيدي أحاول أمسك إيدها، سحبتها بسرعة كأنها لمست نار.
ليلى، أنا بجد تعبان.. والعملية الصبح.. أنا محتاجلك.
بصت في الساعة وقالت أنا جهزت لك شنطتك، فيها غياراتك والتحاليل والأشعة. السواق بتاع الشركة تحت مستنيك عشان يوصلك المستشفى.. أنا بلغتهم إنك تعبان.
قلت لها بذهول يعني مش هتيجي معايا؟.
قالت وهي ماشية ناحية أوضتها زي ما قلت لك.. عندي امتحانات. وبعدين إنت مهندس كبير، وبتعرف تسلك أمورك في كل حفرة بتقع فيها.. والمرة دي، لازم تتعلم تسلك لوحدك.
دخلت الأوضة وقفلت الباب. السكّة دي مكنتش مجرد قفلة باب، دي
نزلت السلم وأنا شايل شنطتي.. وفي طريقي للمستشفى، مكلمتش أمي ولا كلمت ابني. فتحت الموبايل، ومسحت كل صور السفر.. مسحت أحلى وقت مع البحر.. بس للأسف، مسح الصور مبيصلحش القلوب اللي اتكسرت.
وصلت المستشفى، وقبل ما أدخل غرفة العمليات، الممرضة سألتني مين الشخص اللي نتصل بيه لو حصل حاجة؟.
سكتت كتير.. وبصيت في السقف.. وقلت لها مفيش.. اكتبوا لا يوجد.
طلعت من العمليات بعد تلات ساعات. أول ما بدأت أفوق من البنج، عيني كانت بتدور في سقف الأوضة.. كنت مستني أشوف خيالها، أو أسمع صوت نفسها وهي قاعدة بتقرأ في المصحف جنبي زي ما كانت بتعمل زمان لما يجيلي شوية برد.
فتحت عيني بالعافية، لقيت الممرضة بتعدل لي المحلول. بصت لي بابتسامة باهتة وقالت حمد الله على السلامة يا بشمهندس، الدعامة ركبت والعملية نجحت.
سألتها بصوت طالع بالعافية محدش سأل عليا؟.
قالت وهي بتظبط الأجهزة ابنك كلمنا من المانيا واطمن، وقال إنه هيحاول ينزل في أقرب وقت.. والبشمهندس زميلك في الموقع عدا ساب لك ورد ومشي.
سكتت.. كنت عايز أسأل عن ليلى، بس خفت من الإجابة. خفت تقول لي إنها حتى مكلمتش
قضيت ليلتين في المستشفى لوحدي. الوحدة في المرض مابتوجعش الجسم، دي بتبيد الروح. كنت بشوف الرجالة اللي في الأوض اللي جنبي، ولادهم حواليهم وزوجاتهم بيأكلوهم بلقمة هنية، وأنا كنت باكل الأكل المسلوق وببلعه بمرارة ندم مش راضية تسيب زوري.
يوم الخروج، لقيت السواق مستني تحت. ركبت العربية وكنت حاسس إني غريب عن الدنيا كلها. وصلت البيت، فتحت الباب بالراحة.. ريحة بخور هادية كانت مالية المكان، وصوت التلفزيون جاي من الصالة.
لقيتها قاعدة، ماسكة كراسات التصحيح وفاتحة التلفزيون على قناة هادية. مكنتش ليلى اللي سابتني من يومين ببرود، كانت ليلى تانية.. ملامحها مجهدة، وعينيها باين فيها أثر سهر وتفكير.
وقفت في مكاني، الشنطة في إيدي، وقلت لها بصوت مهزوز أنا رجعت.
بصت لي بصه طويلة، فيها عتاب السنين كله، وبعدين قامت من غير ولا كلمة. دخلت المطبخ ورجعت بصينية عليها شوربة لسان عصفور سخنة وفراخ مسلوقة.
حطت الصينية قدامي وقالت بصوت هادي ومحايد كُل عشان تاخد دواك.. الدكتور اتصل بيا وقال لي إنك لازم ترتاح.
مسكت إيدها قبل ما تقوم، المرة دي متململتش، بس إيدها كانت ساقعة.. ساقعة زي تلج الشتا.
قلت لها ليلى.. أنا عارف إن الرصيد خلص،
بصت للإيد اللي ماسكة إيدها، وبعدين بصت لي وقالت بوجع عارف يا سامح.. أصعب حاجة في الدنيا مش إنك تعيش لوحدك، الأصعب إنك تعيش مع حد ويخليك تحس إنك لوحدك. أنا مشيت السكة دي 25 سنة، والنهاردة أنا تعبت من المشي.
سكتت شوية وكملت أنا مش هسيب البيت، ومش هتخلى عنك في مرضك، لأني مش زيك.. بس متستناش مني أرجع ليلى القديمة. ليلى دي غرقت في بحر إسكندرية اللي كنت بتتصور قدامه وأنا بموت.
سابت إيدي ودخلت أوضتها، وقفلت الباب تاني.
قعدت أكل الشوربة، وطعمها كان مخلوط بدموعي اللي نزلت غصب عني. عرفت إن القلب اللي ركبوا له دعامة ممكن يعيش، بس البيت اللي اتهد فيه الأمان محتاج معجزة عشان يتبني تاني.
فهمت إن الرصيد مش فلوس في البنك، الرصيد هو أنا كنت فين لما هي احتاجتني؟. وللأسف، أنا كنت دايماً في المكان الغلط، في الوقت الغلط.
بصيت لشنطتي المرمية في الصالة، ولقطعة البيت اللي بقت زي السجن، وعرفت إن أصعب أنواع العقاب مش الحبس.. هو إنك تعيش مع اللي بتحبه في بيت واحد، وبينكم باب مقفول.. مبيفتحوش غير الواجب، وبيموّته
بقلم انجي الخطيب