من ١٨ سنه بقلم انجي الخطيب
بقالنا 18 سنة أنا ومراتي ليلى بننام في أوض منفصلة.. طول عمرى كنت فاكر إن ده مجرد تعود أو روتين، بس النهاردة بس فهمت إن ده كان عقاب.
يوم الإثنين كان لازم أدخل المستشفى عشان أشوف موضوع الانسداد اللي في القلب ده. دكتور القلب كان صريح معايا لو الأمور مشيت وحش هنركب دعامة، ولو فضلت تعمل فيها سبع البرمبّة وتكابر، ممكن تروح فيها في أي لحظة.
عشان كدة، الصبح وإنا بنفطر بيض بالبسطرمة كأنه يوم عادي، قلت ل ليلى تطلب إذن من المدرسة اللي بتدرس فيها عشان تيجي معايا المستشفى.
محاولتش حتى تبص لي.. فضلت تلم الأطباق، وتغسل الكوبايات، وبترتب كل حاجة بهدوء يخوف أكتر من الزعيق.
قالت لي ببرود مش هقدر.. الامتحانات النهائية قربت، وعندي ضغط كبير مع فصول تالتة ثانوي.
رزعت المعلقة في الطبق وقلت بصوت عالي يعني إيه مش هتقدري؟ يا ليلى أنا ممكن يجيلي جلطة في أي لحظة!.
هنا لفت وشها وبصت لي.. اللي جمد الدم في عروقي مش الكلام، لأ.. دي كانت نظرتها.
قالت لي من سنتين، لما كنت بعمل عملية سرطان الثدي.. إنت كنت فين؟.
حسيت كأن حد دلق فوق راسي جردل مية بتلج.
كنت مسافر شغل.. كنت بعاين موقع في إسكندرية.
طرف شفايفها اتهز بحتة حركة.. مكنتش ابتسامة، كان احتقار.
والصور اللي على البحر اللي نزلتها وقتها.. دي برضه كانت تبع المعاينة؟.
سكت.. لساني اتعقد.
أيوة، سافرت.. وأيوة،
قلت لها ما العملية عدت على خير والحمد لله! وبعدين أمي كانت معاكي.
ليلى نشفت إيدها براحة، كأنها بتخلص حاجة وراها قبل ما تديني رصاصة الرحمة.
مامتك قعدت تلات أيام وروحت عشان ضهرها بيوجعها.. أختي هي اللي خدت إجازة وفضلت جنبي أسبوع.. إنت مجتش ولا يوم.
حولت أغير الموضوع.. أعمل نفسي مكسور.. أشد الكلام ناحية تعبي وساعة الحساب اللي أنا فيها. بس كان خلاص، الوقت فات.
قالت لي وهي بتعد إنت دايماً كدة.. اللي يخصك لازم يخلص دلوقتي وفوراً، واللي يخصني دايماً يستنى.. فاكر ليلة امتحان ابننا لما سهرت مع صحابك ورجعت الفجر؟ فاكر يوم عزا والدتي لما قلت عندك تسليم مهم ومجتش؟.
كل جملة كانت بتنزل عليا كأنها حكم محكمة متأجل من سنين.
شفتها وهي واقفة عند الباب، لابسة جزمتها وشايلة شنطتها على كتفها.. لسه مراتي، الست اللي عايش معاها بقالي ربع قرن، بس في اللحظة دي كانت غريبة.. غريبة زهقت مني ومن أنانيتي.
سألتها بكسرة وخوف حقيقي طيب ومين هياخد باله مني؟.
ليلى فتحت الباب وقالت كلم مامتك.. مش إنت دايماً تقول مفيش حد بيحبك قدها؟.
ومشيت.
البيت فجأة بقى فيه سكوت مرعب.. سكوت مش بيتسمع بس بيخنق.
أنا عندي 48 سنة.. مهندس في شركة مقاولات كبيرة في القاهرة.. طول عمري فاكر إني لسه بصحتي، وإن السهر والشغل والضغط مش هيحاسبوني دلوقتي.. لحد الأسبوع اللي فات.
كنت في الموقع وفجأة الدنيا اسودت في عيني.. حسيت بتقل على صدري كأن حد حط بلاطة خرسانة فوقي. المهندس المقيم خدني جرى على الطوارئ.. رسم قلب، إشاعات، تحاليل.. وبعدين نظرة الدكتور اللي تخليك تتمنى الأرض تنشق وتبلعك.
لو اتأخرت أكتر من كدة، المرة الجاية مش هتلحقنا.
كلمتها من المستشفى.. ردت بعد تالت مرة.
أنا في الحصة.. خلص عايز إيه؟.
قلت لها تعبان وهدخل المستشفى.. سكتت ثواني.. كنت مستني كلمة ألف سلامة، بس مجتش.
إنت في مستشفى إيه؟ هعدي عليك وأنا مروحة.
وبس.. مفيش غير كدة.
ليلتها لما رجعنا البيت، دخلت أوضتها وصممت تقعد تصحح الكراسات لحد نص الليل.. وأنا فضلت في الأوضة الكبيرة مستنيها تدخل، تسأل، حتى تمثل إنها قلقانة.. محصلش. زي ال 18 سنة اللي فاتوا.. كل واحد نام في دنيا تانية.
بس النهاردة الصبح، لما شفتها ماشية من غير ما تبص وراها، في حاجة وقفت في زوري أصعب من وجع القلب.
مسكت الموبايل.. فكرت أكلم أمي، ابني، المستشفى.. مكلمتش حد.
فتحت فيسبوك.
مش عارف ليه.. يمكن كنت عايز أثبت لنفسي إنها بتبالغ.. أو يمكن عشان
دورت في ذكريات من سنتين.
وهناك شفتها..
صورتي على بحر إسكندرية.. بضحك ولابس النظارة والشمس مالية الوش.. وكأني ملك زماني.
وبصيت على التاريخ.
كان نفس اليوم..
ونفس الساعة..
اللي كانت ليلى فيها بتدخل العمليات.. لوحدها.
بعد ما شوفت الصورة، الموبايل وقع من إيدي على السجادة.. الرخامة اللي كانت كاتمة على صدري مابقتش وجع قلب طبي، دي بقت خزي.
فضلت قاعد مكاني مش قادر أتحرك، والبيت حواليا بقى واسع وبارد بشكل يخوّف. الساعة دقت واحدة الظهر، ميعاد الدوا، بس مقمتش.. حسيت إن الدوا ملوش لازمة لو القلب نفسه شبعان قسوة.
نمت مكاني على الكنبة، وصحيت المغرب على صوت مفتاح في الباب. كانت ليلى رجعت. قامت نورت النور، شافتني نايم بهدومي، محاولتش تصحيني ولا حتى سألت إنت لسه هنا؟. دخلت المطبخ، سمعت صوت الكاتل وهو بيغلي، وريحة شاي بالنعناع مالي المكان.
قمت وقفت على باب المطبخ، كنت باين زي العيل الصغير اللي ضايع من أهله.
بصيت لها وقلت بصوت واطي ومبحوح أنا شوفت الصورة يا ليلى.
وقفت وهي ماسكة الكوباية، وبصت لي ببرود أنهي صورة فيهم؟ صورك في الساحل؟ ولا في الجونة؟ ولا صور العزومات اللي كنت بتنزلها وأنا في عز وجعي؟.
قلت لها والدموع محبوسة في عيني صورة إسكندرية.. اللي كانت في نفس يوم عمليتك. أنا مكنتش متخيل إني كنت بالبشاعة دي.
حطت