في يوم عيد الأم

لمحة نيوز


لأن أحدهم يصرخ.
تراجع خطوة ثم أخرى.
لم يكن تراجع هزيمة كاملة لكنه لم يكن ثباتًا أيضًا.
نظر إلى نورة مرة أخيرة كأنه ينتظر منها أن تقف في صفه كما كانت تفعل دائمًا.
لكنها لم تتحرك.
ضمّت ابنتها الصغيرة إلى صدرها.
وبقيت مكانها وكان هذا قرارها حتى لو لم تقله بصوت عالٍ.
في تلك اللحظة، أدركت أن ما حدث اليوم لم يكن نهاية فقط، بل بداية شيء لن يعود كما كان.
ظلّ سعد واقفًا لثوانٍ، كأنه يحاول أن يستوعب ما جرى، أو ربما يبحث عن كلمة تعيد له ما فقده أمام الجميع، لكنه لم يجد. كانت يده ما تزال تمسك بالأوراق، لكن قبضته لم تعد قوية كما كانت قبل دقائق، وكأن المعنى الذي فيها أثقل من أن يُمسك بسهولة.
نظر إلى الرجل الكبير، ثم إلى الوجوه حوله، ثم توقفت عيناه عند نورة، وكأنها آخر ما تبقّى له من توازن، لكنه لم يجد فيها ما اعتاد عليه. لم يجد تلك النظرة التي تنتظره لتبرر، أو لتخفف، أو حتى لتلحق به.
قال بصوت متعب، وقد خفّت حدّته بشكل واضح لن ينتهي الأمر هكذا.
أومأت برأسي بهدوء، وقلت أعلم، لكنه بدأ، وهذا يكفي الآن.
لم أرفع صوتي، ولم أُضف شيئًا آخر، لأن كل ما كان يجب أن يُقال قيل.
شدّ على فكه لحظة، ثم ألقى نظرة سريعة على الطاولة، على

الكعكة التي لم تُلمس، وعلى الأطباق التي بردت، وعلى المكان الذي كان يملؤه قبل قليل، ثم استدار دون أن يطلب إذنًا، واتجه نحو الباب.
لم يغادر بهدوء كامل، ولم يخرج غاضبًا كما يفعل عادة، بل خرج بسرعة، كأنه لا يعرف إن كان يهرب مما حدث، أم يذهب ليعود بشيء آخر.
أُغلق باب الفناء خلفه بصوت واضح، وعاد الصمت.
لكن هذا الصمت لم يكن كالصمت الذي سبقه.
لم يكن صمت خوف، ولا صمت ترقّب، بل صمت يشبه النهاية التي تسبق بداية جديدة، صمت يعرف فيه كل شخص أن شيئًا تغير فعلًا، ولن يعود كما كان.
وقفت لحظة في مكاني، ثم نظرت إلى الطاولة، إلى الفوضى الصغيرة التي تركها التوتر، إلى الأكواب التي لم تُشرب، وإلى الكعكة التي بقيت كما هي، وكأنها تنتظر أن يُعاد هذا اليوم إلى مساره الطبيعي.
تقدّمت ببطء، وسحبت الكرسي في رأس الطاولة، ونظرت إليه لحظة قصيرة، ثم جلست.
مكاني.
كما كان دائمًا.
رفعت رأسي ونظرت إلى الوجوه حولي، لم أبحث عن شيء محدد، لكنني رأيت ما يكفي، رأيت الارتباك يهدأ، والخوف يختفي، وشيئًا آخر يظهر بدلًا منه، شيء أقرب إلى الطمأنينة، حتى وإن كانت حذرة.
قلت بهدوء هل برد الطعام أم ما زال لدينا وقت؟
لم تكن الجملة عادية، لكنها كانت مقصودة، كأنني
أُعيد الحياة إلى مكان توقفت فيه فجأة.
كان محمد أول من ابتسم، ابتسامة خفيفة خرجت دون تفكير، ثم تبعته مريم، ثم بدأ الصغار يضحكون دون أن يعرفوا السبب، فقط لأن الجو تغيّر، ولأنهم شعروا أن كل شيء أصبح أخف.
تحرّكت الكراسي، وعادت الأصوات، وبدأت بناتي في ترتيب الأطباق من جديد، كأن ما حدث كان عاصفة مرّت وتركت خلفها هواءً أنظف.
جلست نورة بجانبي بهدوء، كما كانت تفعل وهي صغيرة، لم تتكلم، ولم أحاول أن أبدأ الحديث، لكن قربها كان كافيًا. مددت يدي دون أن أنظر إليها، وأعدت خصلة من شعرها خلف أذنها، كما كنت أفعل منذ سنوات طويلة.
بعض الأمور لا تحتاج إلى كلمات.
مرت لحظات هادئة، بدأ فيها الجميع يتصرف كأن الحياة تعود تدريجيًا، لكن بطعم مختلف، أكثر وضوحًا، وأقل خوفًا.
ظننت أن الأمر انتهى عند هذا الحد.
لكن الحياة لا تُنهي قصصها بهذه السهولة.
قبل أن تُقطع الكعكة، اقترب أحد الرجال من الباب، وتوقف عند مدخل الفناء، ثم قال بهدوء يا حاجة خديجة هناك امرأة عند الباب تسأل عن سعد.
رفعت رأسي باستغراب، ونظرت نحوه امرأة؟
أشار برأسه نحو الخارج، فتوجهت بنظري إلى الشارع.
كانت هناك سيارة متوقفة، وبجانبها امرأة تمسك بيد طفلين، لم تكن مترددة، ولم
تكن خائفة، بل كانت تقف بثبات واضح، وكأنها جاءت لأنها تعرف أنها يجب أن تأتي.
تقدّمت خطوة نحو الباب، دون استعجال.
خلعت المرأة نظارتها، وكشفت عن وجه متعب، لكن فيه صلابة لا تخطئها العين، ثم نظرت نحوي مباشرة، وقالت بصوت واضح أعلم أن الوقت غير مناسب، لكن يبدو أن سعد لا يرد إلا إذا حضرنا إليه.
ساد صمت خفيف خلفي، وبدأت بعض الهمسات.
أكملت، وهي لا تزال تمسك بيد الطفلين بقوة أنا زوجته.. والاصح طليقته.. وله أكثر من شهرين لا يرسل لي مصاريف طفليه.
نظرت إليها، ثم نظرت إلى الطفلين بجانبها، ثم إلى الباب الذي خرج منه سعد قبل قليل، وشعرت أن الصورة التي كانت ناقصة بدأت تكتمل.
لم أقل شيئًا.
لم أحتج أن أسأل.
فبعض الحقائق تظهر حين يحين وقتها فقط.
التفتُّ قليلًا نحو من في الفناء، فرأيت نظرات مختلفة، دهشة، صدمة.
ثم عدت بنظري إليها، وقلت بهدوء تفضّلي.
لم تكن دعوة عادية.
كانت فتحًا لباب لم يعد من الممكن إغلاقه كما كان.
وفي تلك اللحظة، أدركت أن ما سقط من سعد أمامنا لم يكن مجرد كلمة، ولا موقف عابر، بل شيء أكبر ظلّ يخفيه طويلًا، حتى قرر أن يظهر في أسوأ وقت ممكن.
أما أنا، فلم أشعر بالانتصار.
شعرت فقط أن الحقيقة وجدت طريقها أخيرًا،
وأن
هذا البيت، الذي صمت طويلًا لم يعد كما كان.

 

تم نسخ الرابط