لما تجوزت مرات صاحبك ٢
سيد رد عليه بمنتهى الثبات:
ـ "البيت يتباع، والفلوس تتحط في حساب هناء "كاش"، وبعدها نبقى نشوف التنازل.. إحنا مابنثقش في كلام يا حودة."
يوم البيع، كان الجو كئيب.. محمود واقف مع المشتري، بيمضي على بيع "شقى عمره" وهو حاسس إنه بيمضي على شهادة وفاته. المشتري دفع المبلغ، ومحمود مالحقش حتى يلمس الفلوس في إيده، سيد كان واقف زي الصقر، خد الشيكات والمبالغ وطلعوا على البنك.
بعد ساعتين، هناء كانت قاعدة في البنك، لابسة طقم جديد جابته بفلوس كانت شايلاها للطوارئ، شكلها كان هادي، وشها بدأ يرد فيه الروح. دخل محمود وسيد، محمود كان شكله كبر عشر سنين في أسبوع واحد، هدومه اللي كان بيفتخر بيها بقت مبهدلة، وعينه في الأرض.
سيد حط قدامها إيصال الإيداع:
ـ "أدي حقك يا هناء.. وزيادة كمان، تمن تعبك وشقاك وصبرك على اللي مايتسمي."
هناء بصت للرقم في الورقة، وبعدين رفعت عينها وبصت لمحمود اللي كان واقف بعيد، مش قادر يقرب منها. قامت وقفت وقربت منه بخطوات واثقة، محمود همس بصوت يدوب مسموع:
ـ "ارتحتي يا هناء؟ بعت البيت ودفعت اللي ورايا واللي قدامي عشان أرضيكي.. مابقاش حيلي مليم واحد، والست اللي بعت الدنيا عشانها سابتني."
هناء بصت له ببرود، وبصت للطقم اللي هو لابسه وقالت له بلهجة وجعت قلبه أكتر من السجن:
ـ "تصدق يا محمود.. شكلك وأنت "شحات"
محمود دمع، وقال بضعف:
ـ "هترجعي لي يا هناء؟ أنا اتعلمت الدرس، ومستعد أعيش تحت رجلك في أوضة واحدة، بس ماتسيبينيش لوحدي في الفقر ده."
هناء ضحكت ضحكة قصيرة ومريرة:
ـ "أرجع لك؟ أنت لسه مش فاهم؟ أنا كنت بشتري "نفسي" بالفلوس دي، مش بشتريك أنت. أنا دلوقتِ هروح أجيب الموبايل اللي كان نفسي فيه، وهجيب لبس الشغل اللي كنت بشحته، وهعيش حياتي من غير ما أبص ورايا. أما أنت.. فخليك مع "برودك"، يمكن يدفي اللحاف الفاضي اللي هتنام تحتيه النهاردة."
سابت له إيصال الإيداع في إيده وكأنها بترميله "صدقة"، ولفت ضهرها ومشيت وهي رافعة راسها، وسيد وراها بيطبطب على كتفها. محمود فضل واقف في صالة البنك، الفلوس خرجت من ذمته، والست اللي كانت سترة خرجت من حياته، وما فضلش معاه غير "ندم" هيفضل يحرق فيه طول عمره.
هناء خرجت من البنك، شمت هوا نضيف لأول مرة، وحست إن الهدوم اللي عليها، رغم بساطتها، أغلى بكتير من كل حرير العالم، لأنها ببساطة.. بفلوسها هي، ومن غير ذل.
خرجت هناء من البنك، والشمس كانت مغطية الشارع بنور قوي، كأنها بتغسل السواد اللي شافه قلبها السنين
أول مشوار كان لـ "مول" كبير.. دخلت محل الموبايلات، وبصت لأحدث موديل، اللي كانت بتشوف صوره في إعلانات التلفزيون وتتحسر.
البائع: "أي خدمة يا فندم؟"
هناء بثقة: "عايزة الموبايل ده.. كاش."
وهي بتمسكه في إيدها، افتكرت محمود لما كان بيذلها عشان يشحن لها رصيد بـ 10 جنيه، حست إن الموبايل ده مش مجرد جهاز، ده "صك حرية".
بعدها راحت لمحل لبس شيك.. نقت طقم اتنين وتلاتة، ألوان زاهية، ألوان مبهجة مكنتش تجرؤ تلبسها وهي معاه عشان "ماتلفتش النظر" أو "ماتصرفش". وقفت قدام المراية، وبصت لنفسها.. الوجع لسه موجود في ركن بعيد في قلبها، بس الكسرة اختفت. ملامحها نورت، والهدوم الجديدة كانت لايقة عليها قوي، كأنها كانت مستنية اللحظة دي عشان تظهر جمالها اللي محمود دفنه تحت التراب.
في الوقت ده، محمود كان قاعد على رصيف قدام البنك، حاطط راسه بين إيديه. الموبايل في جيبه رن، طلع الموبايل لقى رسالة من "عبير" (مرات صاحبه):
ـ "أنا عرفت إنك بعت البيت.. ابعت لي نصيبي من البيعة دي عشان ما أرفعش عليك قضية نفقة ومؤخر، أنا مش هضيع مستقبلي مع واحد شحات."
رمى الموبايل في الأرض وهو بيصرخ صرخة مكتومة. الست اللي سرق عشانها، هي اللي جاية تخلص على اللي
بعد شهر..
هناء كانت رايحة شغلها، لابسة طقمها الجديد، وماسكة شنطتها الشيك، وريحة برفانها سبقاها. وهي داخلة من باب الشركة، لقت واحد واقف بعيد بملابس مبهدلة، شعره منكوش، ووشه شاحب.. كان محمود.
قرب منها بضعف وهو بيترعش:
ـ "هناء.. أبوس إيدك، أنا بنام في الجامع، عبير خدت اللي ورايا واللي قدامي وهربت، وأهلي اتبروا مني لما عرفوا إني سرقت ورثك.. لقمة واحدة يا هناء، أنا جعت قوي."
هناء وقفت، بصت له من فوق لتحت.. مكنش فيه في عينيها شماتة، كان فيه "شفقة" أصعب من الكره. طلعت من شنطتها "سندوتش" كانت عملاه لفطارها، وحطته في إيده ببرود وقالت:
ـ "ده عشان أنا مابنساش العشرة.. بس الفرق بيني وبينك يا محمود، إن أنا لما جعت، كنت بداري جوعي بكرامتي.. وأنت لما جعت، بعت كرامتك عشان تشبع. السندوتش ده آخر حاجة تربطني بيك.. ياريت ماتجيش هنا تاني، عشان ريحة "الغدر" اللي طالعة منك، بتأذي زمايلي في الشغل."
لفت ضهرها ومشيت، كعب جزمتها كان بيخبط على الأرض بانتظام وثبات، كأنه بيعزف لحن
محمود فضل واقف، باصص للسندوتش اللي في إيده، وباصص لضهرها وهي بتبعد.. عرف وقتها إن الوجع الحقيقي مش في الفقر، الوجع الحقيقي هو إنك تخسر حد كان ممكن يبيع الدنيا عشانك، وأنت بعته عشان "وهم" مالوش وجود.
تمت.