قولت لا

لمحة نيوز

هالة أول ما شافتهم وشها بقى أبيض زي الورقة، وبدأت تعيط وتتمسكن وتقول إنها كانت بتهزر وإنها كانت رايحة مشوار قريب. بس الموظفة كانت حازمة جداً، بصت لي وشافت الكانيولا اللي لسه معلمة في إيدي ووشي المخطوف، وبصت للورقة اللي هالة كانت طابعاها عشان تمضيلي عليها بالعافية.
​الموظفة قالت لها بلهجة تخوف: "إنتي عارفة إن اللي عملتيه ده اسمه إهمال وتعريض حياة طفل وشخص مريض للخطر؟" الشرطة سحبوا منها جواز السفر وطلبوا منها تمضي على محضر تعهد، وبلغوها إن فيه بلاغ رسمي وصل للمطار بمنعها من السفر لحد ما يتم التحقيق في الواقعة. هالة كانت هتموت من القهرة، السفرية اللي كانت بتحلم بيها وبتحوش لها راحت في ثانية بسبب أنانيتها.
​أمي جت جري على البيت، وبدل ما تطمن عليا، بدأت تصرخ فيا وتقول لي: "ارتحتي كدة؟ أختك وجوزها

خسروا تمن التذاكر والفندق، والناس هتاكل وشنا!" بصيت لها بمنتهى الهدوء وقلت لها: "يا ماما، أنا كنت ممكن أموت والواد يجراله حاجة وأنا مش قادرة أشيله، وقتها كان تمن التذاكر هينفعنا بإيه؟" سكتت خالص ومقدرتش ترد، لأنها شافت في عيني إني مابقتش البنت الضعيفة اللي بتدوسوا عليها وتسكت.
​من يومها، مفيش مخلوق في العيلة بقى يجرؤ يطلب مني حاجة فوق طاقتي، ولا حد بقى يقول كلمة "دراما" دي تاني. اتعلموا إن السكوت مش دايماً رضا، ساعات بيبقى الهدوء اللي قبل العاصفة.. والعاصفة المرة دي كانت كفيلة تخلي كل واحد يعرف مقامه ويحترم وجع غيره.
بعد ما اللجنة والشرطة مشيوا، البيت بقى فيه صمت مرعب. هالة كانت قاعدة في الصالة بتعيط بحرقة، مش عشان خايفة على ابنها، لأ، عشان "الستوري" اللي كانت ناوية تنزلها من دهب باظت، وعشان
الفلوس اللي راحت في الهوا. جوزها جه وهو وشه جايب ألوان، وبدل ما يعتذر، كان بيبص لي بحقد وكأني أنا اللي سرقت منهم السفرية، مش هما اللي كانوا هيسرقوا صحتي.
​أمي حاولت تلطف الجو وتقول لجوز هالة: "معلش يا ابني، هي تعبانة وأعصابها باظت من العملية"، بس أنا قطعت كلامها وقلت بكل برود: "أنا أعصابي زي الفل، أنا بس بدأت أتعامل معاكم بنفس طريقتكم.. اللي مش هيعمل حسابي، مش هعمل حساب لزعله."
​هالة قامت وقفت ووشها كله غل وقالت لي: "عمرنا ما هننسالك الحركة دي يا [اسم الشخصية]، إنتي قطعتي صلة الرحم بيدك." رديت عليها وأنا ببتسم وجع: "صلة الرحم دي بتبدأ بالرحمة، وإنتي مكنش في قلبك ذرة رحمة وأنا بموت قدامك وانتي بتفكري في شنط سفرك.. الباب يفوت جمل."
​خرجوا كلهم من البيت، وقفلت الباب وراهم بالمفتاح.. ولأول مرة من
سنين، حسيت إن الشقة بقت واسعة وهادية بجد. دخلت سريري، وغمضت عيني وأنا مرتاحة، مش بس عشان جسمي محتاج الراحة، لا، عشان أخيراً حطيت حدود لقلبي قبل جسمي.
​تاني يوم الصبح، لقيت رسايل كتير من خالاتي وعمامي، ناس بتلوم وناس بتعاتب، عملت "بلوك" لكل اللي بيحاول يخليني مذنبة. عرفت إن هالة وجوزها اضطروا يروحوا النيابة عشان يسحبوا البلاغ رسمي ويمضوا على تعهد برعاية الطفل رعاية كاملة، وبقوا تحت الملاحظة لفترة.
​أمي حاولت تصالحني بعدها بكلمتين، بس أنا كنت اتعلمت الدرس: "العيلة اللي متبقاش سند في الوجع، متبقاش عيلة في الفرح." دلوقتي أنا في فترة نقاهة بجد، مش بس من العملية، لا، نقاهة من الناس اللي بتمتص طاقتي.. وبصيت للأسورة البيضا اللي في إيدي وقطعتها بمقص، ورميتها في الزبالة، ومعاها كل ذكريات الضعف والاستسلام.

​تمت.
ل

تم نسخ الرابط