وجدت ثلاثين بقعة حمراء
أعتبر أي شيء أمرًا مفروغًا منه.
لم أدع لحظة واحدة تمرّ مع عائلتي دون أن أقدّرها.
كنت أظن أن الأمان يعني إغلاق الأبواب ليلًا، وتجنّب الغرباء
لكنني تعلّمت أن الخطر لا يأتي دائمًا من الخارج.
أحيانًا يختبئ خلف وجوهٍ مألوفة.
وأحيانًا يأتي من أشخاصٍ من المفترض أن تثق بهم.
حتى الآن كلما تذكّرت تلك اللحظة في المستشفى، حين صرخ الطبيب
اتصلوا بالشرطة!
أشعر بالقشعريرة.
لكنني أعلم أن تلك الصرخة أنقذت حياته.
كثيرًا ما يلمس علي الندوب الخفيفة على ظهره الآن، ويقول بهدوء
إنها تذكير بأنني اخترت الصواب، وبأنني ما زلت حيًا.
ثم يضيف بابتسامةٍ خافتة
ما زلنا معًا وهذا يكفي.
أمسك بيده، وأبتسم رغم دموعي.
أعلم أنه محق لقد نجونا معًا.
لأن الحب الحقيقي لا يُختبر في الرخاء، بل يظهر في العاصفة حين يرفض كلٌّ منا التخلّي عن الآخر.
لكن الحقيقة أن ما حدث لم يبدأ في المستشفى.
لفهم ما مرّ به علي، يجب العودة إلى الأسابيع التي سبقت الحادثة
أيامٌ لم تلمس فيها المادة السامة جلده بعد، لكن الخوف كان قد بدأ ينهش داخله.
كان علي رجل مبادئ، بنّاءً يؤمن بأن كل لبنة يجب أن توضع بأمانة.
لكن مواقع البناء ليست دائمًا أماكن للنزاهة.
لم يكن رائد داود مجرد مشرف بل كان ظلًا ثقيلاً يخيّم على الموقع منذ وصول علي.
في
كان رائد يعلم أن لدينا فواتير يجب دفعها، وابنة صغيرة يجب تربيتها.
وكان يعتقد أن الضغط المالي سيجعل علي شريكًا سهلًا في مخططه.
لأسابيع، كتم علي الأمر في نفسه، رافضًا أن يُدخل كآبة عمله إلى منزلنا.
كان يجلس على طاولة المطبخ كل ليلة، متظاهرًا بالهدوء بينما كان رائد قد حاصره في وقتٍ سابق قرب المولدات، وأعطاه أوراق فواتير مزوّرة.
كانت معضلته لا تُحتمل
إمّا أن يرفض ويُخاطر بوظيفته
أو يوافق ويفقد نزاهته.
لكنه لم يتخيّل أبدًا أن رفضه سيقوده إلى هذا النوع من العنف القاسي والمخطط.
وكشف التحقيق لاحقًا أن رائد داود قد فعل شيئًا مشابهًا من قبل، لكنه هذه المرة استخدم أسلوبًا أكثر قسوة مستوحى من أساليب التخريب الصناعي.
كانت المادة عبارة عن خليط من مذيبات صناعية وعوامل تآكل بطيئة التأثير لا تُحدث حرقًا فوريًا، بل تتسرّب إلى الجلد تدريجيًا مع الاحتكاك.
ومن خلال طلاء الجزء الداخلي من قميص العمل الاحتياطي الخاص بعلي ضمن أن كل حركة، وكل خطوة، ستدفع المادة الكيميائية إلى عمق جلده.
زارنا المحقق المسؤول عن القضية، رجلٌ ذو شعرٍ رمادي يُدعى النقيب حسن، عدة مرات خلال فترة تعافي علي.
أوضح لي أن البقع
نقاط تماسّ احتك فيها القماش الملوّث بشدة بكتفيه وعموده الفقري.
لم يكن ذلك مجرد أذى بل كان تعذيبًا بطيئًا، عقابًا جسديًا يهدف إلى كسر إرادة رجلٍ لم يكن يريد سوى العمل بصدق.
بينما كان علي يكابد الألم في المستشفى كنتُ أقضي لياليّ أفتّش أغراضه، أبحث عن أي دليلٍ قد يفسّر ما حدث.
حتى عثرتُ، مخبّأة داخل بطانة حقيبة عمله، على نسخٍ من الفواتير المزوّرة التي طُلب منه توقيعها.
كان يحتفظ بها كدليل تحسّبًا لأي طارئ.
كان مستعدًا أكثر مما كنت أتصوّر.
يحمي مستقبلنا حتى وهو عاجز عن حماية جسده من القسوة المتعمّدة.
أما المعركة القانونية التي تلت ذلك فكانت محنة أخرى.
بل ربما كانت أكثر إرهاقًا من الأزمة الصحية نفسها.
حاول رائد داود، مدعومًا بفريق قانوني قوي، تصوير ما حدث على أنه مجرد إهمال من علي مدّعيًا أنه تعرّض للمواد الكيميائية عن طريق الخطأ.
رؤيتي له في قاعة المحكمة، يجلس بتلك الغطرسة بينما كان زوجي بالكاد يستطيع الجلوس دون ألم أشعل داخلي رغبة لا تُقاوم في تحقيق العدالة.
لكن الحقيقة كانت أقوى.
شهادة الممرضة التي حضرت منذ اليوم الأول كانت حاسمة.
وصفت بدقة التناظر التام للآفات وهو نمط يستحيل أن ينتج عن حادثٍ عرضي.
كما أكد خبراء
وبدأ جدار الأكاذيب الذي بناه ينهار تدريجيًا تحت وطأة الأدلة.
وسط هذه الفوضى حدث ما لم أتوقعه.
التفّ مجتمعنا الصغير حولنا.
جيران بالكاد نعرفهم بدأوا يتركون الطعام أمام بابنا.
وزملاء علي في العمل أولئك الذين كانوا يخشون الكلام بدأوا أخيرًا بالإدلاء بشهاداتهم.
تحوّلت شجاعة علي إلى شرارة.
شرارة كشفت فسادًا أكبر داخل الشركة.
أما تعافيه فلم يكن سهلًا.
كان بطيئًا ومؤلمًا، يتخلله علاج طبيعي مستمر لمنع تيبّس الجلد المتندّب.
كنت أضع له المراهم كل مساء
طقسٌ يومي يذكّرنا بمدى هشاشة الحياة.
أحيانًا كان يرتجف من أقل لمسة.
ليس بسبب الألم فقط بل لأن جسده أصبح يربط اللمس بالخطر.
كنت أهمس له بهدوء حتى يستعيد طمأنينته.
لكن الجرح الحقيقي لم يكن في جسده.
بل في داخله.
جرح الثقة.
كان يؤلمه أنه عمل يومًا إلى جانب شخصٍ قادر على هذه القسوة.
وكان يتساءل دائمًا كيف لم يرَ ذلك؟
كنت أقول له
النزاهة لا تُعمي الإنسان بل تجعله يفترض الخير في الآخرين.
لم تكن المشكلة في ثقته
بل فيمن خانها.
في نهاية المطاف، ترك علي العمل في مجال الإنشاءات الميدانية نهائيًا.
وكجزء من تسوية مع الشركة وجهود الإصلاح الداخلي،
أصبح يعمل على ضمان ألا يتعرّض أي عامل لما تعرّض له، محوّلًا معاناته إلى وسيلة لحماية الآخرين.
وفي منزلنا صار يعود كل مساء دون أن تفوح منه رائحة المواد