واحنا بنفطر
اللي مافارقهاش من يوم ما اتولدت.
بس كان عليه حاجة غريبة…
شريط طبي ملفوف حوالين رقبته.
وصوت أبويا رجع في ودني تاني، كأنه مسجل قديم:
"إحنا بنحافظ على العيلة…"
رفعت عيني ببطء.
لقيت فانيسا واقفة في آخر السلم.
بس المرة دي مش لوحدها.
كان معاها واحد من الأمن… ماسك تليفون وبيكلم حد، ووشه مشوش كأنه مش فاهم هو واقف فين أصلاً.
فانيسا بصتلي وقالت بهدوء: "إنت متأخر… هي دلوقتي فهمت."
"فهمت إيه؟!" صوتي انفجر.
ابتسمت نفس الابتسامة الباردة: "إنها مش كانت مجرد صدفة… وإنك طول عمرك كنت بتغمض عينيك."
الأمن فجأة بص في التليفون بتاعه، ووشه اتغير: "في بلاغ وصل من… جوه المستشفى… بيقول إن الأب هو اللي حاول ياخد الطفلة بالقوة."
وقفت مذهول.
"إيه؟! ده كذب!"
بس قبل ما أكمل، لقيت ممرضة واقفة ورايا، وبتقول بصوت واطي: "في تسجيل كاميرا… بيبينك وإنت داخل الأوضة بسرعة قبل ما النور يفصل."
الدنيا بدأت تلف بيا.
مين بيحرك كل ده؟
ومين اللي بيحوّلني فجأة من أب بيجري على بنته… لمتهم؟
وفي اللحظة دي… موبايلي رن تاني.
رقم مجهول.
رديت بإيد بترتعش.
صوت واحد قال بهدوء شديد: "لو عايز بنتك ترجع… متصدقش أي حاجة تشوفها دلوقتي."
وبعدين الخط قطع.
ورجعت أبص للسلم… لقيت فانيسا اختفت.
بس على الدرابزين… كان فيه ورقة صغيرة متعلقة.
فتحتها ببطء.
وكان مكتوب فيها جملة واحدة بس:
"إيما مش أول طفلة… وإنت مش أول أب يتكسر."
وساعتها بس… سمعت صوت جاي من تحت الأرض.
زي حد بيعيط…
وقفت مكاني.
"إيما…؟"
الكلمة خرجت مني غصب عني.
الأمن اللي كان واقف بصلي بقلق قال:
"مفيش أي دور تحت هنا غير مخازن قديمة وغرف صيانة… مقفولة من سنين."
بس الصوت كان أوضح من أي كلام.
جريت ناحية باب السلم اللي بيؤدي للنزول. الباب الحديدي كان مقفول بسلسلة، لكن مش مقفول بإحكام… كأنه اتفتح واتقفل من شوية.
شدّيته بكل قوتي.
اتفتح بصوت صرير يخلي الأعصاب تتكسر.
ريحة رطوبة ودواء قديم ضربت وشي.
نزلت درجة… درجة… وكل خطوة كان الصوت بيزيد.
"بابا…"
اتجمدت.
الصوت جاي من تحت.
"بابا… أنا هنا…"
قلبي كان هيقف.
جريت على السلم لحد ما وصلت لنصه، وهناك لقيت باب خشبي صغير مفتوح نص فتحة.
ضوء خافت طالع من جوه.
دفعت الباب بإيدي المرتعشة.
اللي شوفته جوه مشهد عمره ما هيتنسي.
غرفة صغيرة قديمة، فيها سرير مستشفى متكسر، وجدران مكتوب عليها أسماء أطفال… أسماء كتير متشطبة.
وفي النص…
كرسي متحرك صغير.
وفوقه… إيما.
لكنها كانت مربوطة بخيط طبي رفيع، مش واضح غير لما تقرب.
والغريب… إنها كانت بصحة أحسن من اللي كانت عليه فوق.
وشها لسه فيه أثر الحرق… لكن عينيها مفتوحة وبتبصلي.
بهدوء.
مش خوف.
مش بكاء.
ابتسمت وقالت بصوت واطي: "بابا… متخافش مني."
وقبل ما أرد، سمعت صوت خطوات ورايا.
فانيسا.
واقفـة على الباب، بتسد الطريق.
وقالت بصوت هادي جدًا: "أخيرًا
بصيت لها بصدمة: "إنتوا بتعملوا إيه في بنتي؟!"
ضحكت.
ضحكة طويلة لأول مرة مش باردة… لكن فيها راحة غريبة.
وقالت: "مش بنتك بس."
سكتت لحظة، وبصت لإيما.
"دي المفتاح."
وفي اللحظة دي… إيما رفعت إيدها الصغيرة، وقالت جملة خلت دمي يتجمد:
"أنا فاكرة كل حاجة… من قبل ما أتعلم الكلام."
والنور في الغرفة كله بدأ يطفي واحدة واحدة… كأن المكان نفسه بيقفل علينا.
وآخر حاجة سمعتها… كانت صوت باب حديد بيتقفل من بره.الصمت وقع فجأة… كأن المكان كله انقطع عنه النفس.
باب الحديد اتقفل من بره بصوت مدوّي، ومعاه اتقطعت أي محاولة هروب. النور كان بيطفي واحدة واحدة لحد ما بقينا في ضوء خافت جاي من لمبة مكسورة بتترعش في السقف.
إيما فضلت تبصلي بهدوء غريب، مفيهوش خوف طفل.
"بابا… أنا مش محتاجة تخرجني… أنا محتاجة أفتكر أكتر."
قربت فانيسا خطوة وقالت بصوت منخفض: "إحنا ما أذيناش بنتك… إحنا بس… رجعنا اللي كان متاخد منها زمان."
حسيت الدنيا بتلف بيا: "متاخد منها إيه؟ دي طفلة عندها 4 سنين!"
سكتت لحظة، وبعدين قالت الجملة اللي كسرت أي منطق جوايا: "هي مش أول مرة تعيش الأربع سنين دول."
بصيت لها مش فاهم.
إيما رفعت إيدها، وبصوت أعمق من سنها قالت: "أنا فاكرة المستشفى القديم… وفاكرة أب قبل ده… كان بيبكي زيك."
وقفت مكاني.
فانيسا اقتربت أكتر: "دي مش حادثة حروق… دي تجربة فشلت قبل كده… وإحنا كنا بنحاول نحميها من تكرار النهاية."
قبل ما أستوعب، باب صغير
قال بهدوء: "هي مش طفلة عادية… وهي كل مرة بتنهار فيها التجربة، بتبدأ من جديد… وبيكون لازم حد من العيلة يفتكر… عشان الدائرة تكمل."
سكت.
وبعدين بصلي: "والمرة دي… أنت اللي فَتحت الباب."
إيما قربت مني خطوة، ومدت إيديها الصغيرة لصدري وقالت: "أنا لو كملت فوق… هحصل زي كل مرة… وهتنتهي تاني."
دموعي نزلت من غير تحكم.
"يعني إيه؟ أنا أسيب بنتي؟"
فانيسا قالت بصوت مكسور لأول مرة: "أو تختار… تكسر الدائرة."
إيما بصتلي، عيونها ثابتة: "لو فضلت معاك… هرجع أتعذب تاني… بس لو فضلت هنا… ممكن أبقى أنا اللي أفهم ليه أنا موجودة."
سكت المكان كله.
ثواني طويلة كأن الزمن وقف.
بصيت لبنتي… اللي مش عارف إذا كانت طفلة… ولا لغز أكبر مني.
وببطء… نزلت على ركبي.
وقالت وهي بتحط إيديها الصغيرة على رقبتي: "أنا مش هبقى زعلانة منك… في أي نسخة مني."
بعدها، سبتها.
مش بالقوة… لكن بالاختيار.
إيما دخلت الغرفة مع الدكتور… الباب اتقفل بهدوء.
والصوت رجع يختفي.
فانيسا وقفت جنبي وقالت: "المرة دي… يمكن كسرناها فعلاً."
سألتها بصوت مبحوح: "هي هتفضل عايشة؟"
ردت: "مش بنفس الشكل… لكن هتفضل."
طلعت من المكان وأنا مش عارف إذا كنت أنقذت بنتي… ولا فقدتها بطريقة مختلفة.
بس لما وصلت فوق… المستشفى كان طبيعي.
مفيش مخازن.
مفيش باب تحت الأرض.
مفيش أثر لأي حاجة.
غير شاش صغير مرمي على الأرض… عليه لون
وموبايل بيرن.
نفس الرقم المجهول.
الرسالة الأخيرة اللي وصلت كانت قصيرة جدًا:
"الدائرة اتقفلت… مؤقتًا."