بنات قلبي انجي الخطيب

لمحة نيوز

بتلف بيها، والدنيا اللي كانت فاكرة إنها رتبتها بالخيط والإبرة، اتكعبلت خيوطها كلها في ثانية واحدة. فجأة، البرق نور السما، وصوت الرعد زلزل المحل، ونادية لقت نفسها بتشد البنات لجوه وبتقول لسليم بحدة ادخل.. ادخل من المطر ده، والكلمتين اللي عندك قولهم جوه، بس وحياة غلاوتهم عندي، لو حاولت تلمس واحدة فيهم، هكون أنا والزمن عليك. سليم دخل المحل بخطوات مهزوزة، وعينيه مش مفارقة البنات اللي مستخبيين في لبس نادية، والمحل الصغير اللي كان دافي بالستر، بقى فجأة مسرح لأصعب مواجهة ممكن نادية تعيشها في حياتها.
سليم دخل المحل وراسه خابطة في السقف من طوله وهيبته، المكان اللي كان ضيق بس دافي، فجأة بقى خانق ونسمة الهوا فيه تقيلة. قعد على كرسي خشب قديم من بتاع الزبائن، والكرسي صر تحت حمله وكأنه بيشتكي. نادية وقفت قدامه زي الأسد اللي بيحرس ضناه، مربعة إيدها والشريط المازورة لسه ملفوف حول رقبتها، وعينيها منزلتش من عليه لحظة.
ليلى ولجين كانوا واقفين ورا نادية، بيطلوا من ورا ضهرها بفضول طفولي ممزوج بخوف. سليم مد إيده الرعاشة وطلع علبة قطيفة من جيب البالطو، فتحها فبان فيها عقد دهب رقيق أوي فيه فصين لؤلؤ، وقال بصوت مهزوز ده كان مجهز ليهم من قبل ما يتولدوا.. أمهم، الله يرحمها، كانت بتقول لي ليلى ولجين هيبقوا أجمل بنتين في الدنيا. مكنتش أعرف إن القدر هيخليني أشوفهم وهما شباك وسقف لبيت حد غيري.
نادية أول ما سمعت الله يرحمها، قلبها رق لثانية بس سرعان ما قست ملامحها تاني الدهب والقصور مبيعملوش أهل يا أستاذ سليم. البنات دول كبروا على صوت المكنة دي، وشربوا حنيتي مع اللبن اللي كنت بجيبه بشقايا.
هما ميعرفوش غيري، وميعرفوش يعني إيه أب سابهم تسع سنين للريح.
سليم قام وقف، وقرب خطوة، نادية رجعت البنات لورا أكتر، بس هو وقف مكانه وقال بحرقة أنا متخلوش عنهم! أنا اتنصب عليا في أغلى ما أملك! المستشفى اللي ولدوا فيها كانت بتتاجر في الأطفال، والمدير بتاعها اتقبض عليه في قضية تانية واعترف بكل حاجة قبل ما يموت. أنا بقالي سنين عايش ميت، بشتغل زي المكنة عشان أنسى وجعي، لحد ما الخيط وصلني لهنا. أنا مش جاي أهد بيتك يا نادية، أنا جاي أقولك إنك عملتي اللي أنا مقدرتش أعمله.. أنتي اللي بقيتي الأصل وهم الفروع.
في اللحظة دي، لجين، البنت الهادية اللي بتفهم من عينين الأم، سابت لبس نادية وقربت من سليم بخطوات بطيئة. نادية شهقت تعالي هنا يا لجين!، بس البنت مسمعتش، وقفت قدام سليم وبصت في عينيه الغرقانة دموع وسألته ببراءة تقطع القلب هو أنت كنت بتدور علينا كتير؟.
سليم انهار، نزل على الأرض تاني وبقى مستواهم، وبدأ يهز راسه وهو مش قادر ينطق، لجين مدت إيدها الصغيرة ومسحت دمعة نازلة على خده، وقالت له متحيطش.. ماما نادية بتقول إن اللي بيضيع ربنا بيرجعه لو هو طيب.
نادية حست بخنجر دخل في قلبها، الجملة اللي كانت بتحفظها للبنات عشان تصبرهم على قسوة الدنيا، هي هي اللي دلوقتي بتفتح الباب للراجل ده عشان ياخدهم منها. ليلى كمان جريت على أختها، وبقوا هما التلاتة في كادر واحد تحت نور اللمبة السهاري الضعيف، سليم وبناته اللي من صلبه، ونادية واقفة بعيد، حاسة لأول مرة إن غرزة حب اللي خيطتها السنين دي كلها، ممكن تتكرج في ثانية.
سليم بص لنادية وقال وهو لسه على الأرض أنا مش هاخدهم غصب، ولا هحرمك منهم..
بس أنا عايزهم يعرفوا إن ليهم ضهر، وإنهم مش لوحدهم في الدنيا. أنا عايز أعوضك وأعوضهم عن كل يوم برد عدى عليهم.
نادية ضحكت بوجع وقالت له تعوض مين يا أستاذ؟ تعوضني عن قعدتي للفجر بصلح فساتين ناس عشان أجيب لهم طقم العيد؟ ولا تعوضني عن الخوف اللي كنت بحسه كل ما واحدة فيهم تسخن وأنا معاييش تمن الكشف؟ التعويض ده كلمة متقالش للي زيي.. بناتي مش للبيع، ولا بالفلوس ولا بالدهب.
سليم لسه هيرد، لقى تليفونه رن بصوت عالي، بص في الشاشة واتخطف لونه، وبص لنادية برعب وقال الحكاية لسه مخلصتش.. فيه حد تاني عرف بوجودهم، وحد مش عايزهم يظهروا أبداً يا نادية.
نادية برقت عينيها وحست بخطر حقيقي لأول مرة قصدك إيه؟ مين دول؟.
سليم وهو بيبص للشارع من ورا إزاز المحل اللي المطر مغطيه أهلي.. عيلة الشافعي. الميراث اللي هيتقسم الشهر الجاي لو البنات دول ظهروا، هيقلب كيان الكل.. والعربية السودة اللي ركنت ورا عربيتي دي مش تبعي!.
نادية قلبت قفل الباب بسرعة وهي بتنهج، وبصت لمكنة الخياطة بتاعتها وكأنها بتستنجد بيها، وبصت للبنات وقالت بصوت واطي ومرعوب اطلعوا فوق استخبوا تحت السرير ومحدش يطلع صوت واصل.. فاهمين؟
البنات جفوا في مكانهم، ليلى مسكت في أيد لجين وهما باصين لنادية ببربشة وخوف، لأول مرة يشوفوا ماما نادية مهزوزة كدا. نادية زعقت بوشوشة وهي بتزقهم ناحية السلم الخشب بسرعة! مسمعش نفس واحدة فيكم.. مهما حصل متنزلوش!. البنات طلعوا يجري ونادية وقفت ورا الباب، قلبها بيدق زي المكنة السنجر اللي قدامها، وسليم واقف مشلول، عينيه على العربية السودة اللي نزل منها تلات رجالة ببدل غامقة، ملامحهم زي الحجر، والمطر
نازل على وشوشهم مبيخليهمش يرمشوا.
سليم قرب من نادية وهمس في ودنها معاكي مفتاح لباب القبو أو مخرج خلفي؟ الناس دول مش جايين يتفاوضوا، دول ولاد عمي.. الحقد والميراث عماهم، ولو عرفوا إن البنات هنا مش هيسيبونا نطلع من الحتة دي. نادية بصت له بصه كلها غضب وقالت له بصوت محشرج محل نادية ملهوش مخارج خلفية، اللي يدخل من الباب يخرج منه.. بس المحل ده فيه عرضي وشرفي، ومحدش هيدوس عتبته طول ما فيا روح.
نادية مدت إيدها تحت الترابيزة الكبيرة اللي بتقص عليها القماش، وطلعت مقص عقلة كبير، من اللي بيقصوا بيه الجوخ التقيل، وسندت ضهرها على الباب بكل قوتها. فجأة، خبطة رزينة وقوية هزت الخشب القديم، وصوت رخيم من بره نادى يا ست يا اللي جوه.. افتحي بالذوق، إحنا عارفين إن سليم بيه عندك، وعارفين الأمانة اللي شايلها.. ملوش لزمة الشوشرة في وسط الحارة.
سليم قرب من الباب وصاح فيهم يا عاصم! ارجع مكانك، البنات ملهومش دعوة بيك، الميراث كله خدوه، أنا مش عايز مليم.. سيبوهم في حالهم!. رد عليه عاصم بضحكة باردة زي تلج المطر المسألة مش مسألة مليم يا سليم، المسألة إن مفيش حد من ريحة الشافعي يعيش بره طوعنا.. افتح الباب بدل ما نفتحه إحنا وبطريقتنا.
نادية بصت لسليم وقالت له بلهجة ولاد البلد ابعد أنت عن السكة.. اللي يجي في ملعبي يستحمل. نادية لفت لفة سريعة وشالت العروسة القماش اللي كانت ليلى سايباها، وبصت لمكنة الخياطة بحسرة، وبعدين وبحركة سريعة، زقت طاولات القماش والمانيكان الخشب ورا الباب عشان تسده تماماً.
فجأة، الإزاز بتاع الواجهة اتدشدش بمية حتة بصوت زي الرصاص، وطوبة كبيرة وقعت وسط المحل. نادية صرخت، وسليم
رمى
نفسه عليها عشان
تم نسخ الرابط