كنت قد انتهيت للتو
سيف.
لم يستطع.
تقدّمتُ نحو كرار، واحتضنته بقوة، ثم حملته بين ذراعي، وأمسكت حقيبتي.
هذه المرة.. لم يعد هناك ما يمكن أن يوقفني.
وقفت عند الباب، ونظرت إلى سيف نظرة أخيرة، وقلت بهدوءٍ قاطع
لا تنتظر مني شيئًا.. انتظر فقط أوراق الطلاق، ودعوى النفقة التي تجاهلتها ثلاث سنوات.
ثم استدرت.. وخرجت.
تركتهم جميعًا خلفي، واقفين وسط الفوضى التي صنعوها بأيديهم.
ركبت السيارة.. وأُغلق الباب.
ومع أول حركة لها، سمعت صرخة أم سيف من الداخل، ممتلئة بالذعر والغضب
سيف! من سيهتم بي الآن؟! من سيطبخ؟!
نظرتُ أمامي.. وابتسمت ابتسامة هادئة.
لأول مرة منذ سنوات كنتُ حرة.
مرّ شهرٌ منذ أن غادرتُ ذلك المنزل الكئيب، وكانت حياتي في بيت الحاجة أم حسين أشبه بحلم لم أكن أتوقعه يومًا، فلم أعد أرى نفسي خادمة، بل إنسانة موثوقة لها مكانتها، أعيش بكرامة وأتنفس بهدوء. وبينما كان كرار يلعب بسعادة في الحديقة الواسعة،
في إحدى الظهيرات، وبينما كنت أرتّب الزهور قرب المدخل، سمعت طرقًا عنيفًا على البوابة، يتبعه صراخٌ مألوف.
ديانة! اخرجِي! لا يمكنكِ أن تفعلي هذا بنا!
كان سيف.. ومعه رنا وأم سيف، وقد بدوا في حالٍ يُرثى لها؛ وجوه شاحبة، وملابس متسخة، ونظرات مشتتة. حين فُتحت البوابة، نظرت إليهم للحظة ولم أكَد أتعرف عليهم. سيف، الذي كان متعجرفًا بالأمس، بدا اليوم كمن لم يذق النوم منذ أيام.
اقترب بخطوات متعثرة، ثم سقط على ركبتيه أمامي، وقال بصوتٍ مكسور
ديانة.. ارحميني، عودي.. البيت انهار من بعدك، أمي مريضة ولا أحد يعتني بها، ورنا لا تعرف حتى كيف تُعد الطعام.. لم نعد نأكل إلا ما يسدّ الرمق.
نظرتُ إليه من أعلى إلى أسفل نظرة هادئة، ثم قلت
وماذا عن هداياك الفاخرة؟ أين اختفت؟ وأين تلك الحياة التي كنت تتباهى بها؟ لماذا تبدون الآن كمن فقد
خفضت رنا رأسها، وبدا على حقيبتها الرخيصة أثر الزيف بعد أن كانت تتباهى بها.
تدخلت أم سيف بصوتٍ متعب
يا ديانة.. لم يعد لدينا مال. كل ما فعله سيف انكشف، الشركة أغلقت بعد أن تبيّن أنه كان يأخذ المال ليتباهى به، وحتى تلك التي كان يعمل معها.. تركته حين سقط.
ابتسمتُ ابتسامة باردة، وقلت في نفسي إن العدالة لا تأتي دائمًا بصوتٍ عالٍ، لكنها حين تصل.. لا تخطئ الطريق.
ثم نظرتُ إلى سيف وقلت بهدوء
أين دفتر حساباتك؟ أين تلك الأرقام التي كنت تلوّح بها في وجهي؟ هل ما زلت تنتظر أن أدفع لك شيئًا؟
هزّ رأسه بسرعة، وقال بصوتٍ يختنق
لا.. لا يا ديانة، سامحيني.. كنت أظن أن المال يصنع الاحترام، وأن الزوجة تُشترى بالخدمة.. كنت مخطئًا.
في تلك اللحظة، توقفت سيارة أمام البوابة، ونزل منها رجل أنيق، ثم تقدّم نحوي بهدوء وسلّمني ظرفًا.
قال بنبرة رسمية
ديانة، هذا الحكم النهائي بحجز ممتلكاتهم لعدم
اتسعت عينا سيف بصدمة، وقال بصوتٍ مرتجف
ماذا؟ حتى البيت؟
نظرتُ إليه بثبات وقلت
نعم يا سيف، هذا البيت مسجّل باسمنا معًا، وبما أنك لم تتحمل مسؤوليتك، فقد قررت المحكمة أن تكون حصتك من نصيب كرار.. وغدًا ستغادره.
صرخت رنا وهي تبكي
إلى أين سنذهب؟ ليس لدينا مكان!
نظرتُ إليهم نظرة أخيرة، خالية من أي تردد، وقلت
لم يعد ذلك شأني. حين كنتُ بينكم، لم أكن أستحق حتى هدية.. واليوم، أنتم لا تستحقون دقيقة واحدة من وقتي.
أُغلقت البوابة ببطء، فاصلةً بين ماضٍ انتهى.. وبداية جديدة لم أعد أخافها.
دخلتُ إلى الداخل، واحتضنتُ كرار، ولأول مرة منذ سنوات، لم ترتجف يداي، ولم أشعر بثقلٍ على صدري، ولم تعد هناك رائحة دواء أو تعب أو خوف.. بل فقط رائحة طعامٍ طازج، وهدوءٍ يشبه السلام.
أدركتُ حينها.. أن أجمل الهدايا لا تأتي من سفرٍ بعيد، ولا من أشياء باهظة، بل من لحظة تختارين