نور وسليم
خوف كان كفيل يغير شكل اليوم كله، نور كانت قاعدة على الأرض جنبه، بتحاول تخليه يمسك لعبة صغيرة، وكل شوية تبص عليه وكأنها بتتأكد إنه فعلاً بقى بخير، مش مجرد حلم ممكن يختفي فجأة. سليم كان واقف بعيد شوية، متكلمش، بس عينه كانت مليانة حاجة جديدة عليه، إحساس إنه بقى مسئول عن حياة مش مجرد ظروف عابرة.
من اليوم ده، بدأ نظام جديد يتخلق في البيت، نور بقى عندها روتين، تصحى بدري، تفطر، تروح المدرسة، ترجع تحكي، ويوسف بقى محور البيت كله، ضحكته بقت زي موسيقى خفيفة بتكسر أي توتر. سليم نفسه بدأ يتغير من غير ما ياخد باله، بقى يقعد على السفرة، بقى يهتم بتفاصيل صغيرة، زي إن نور تخلص واجبها، أو إن يوسف ينام كويس، حاجات عمره ما كان يتخيل إنه يهتم بيها.
لكن التغيير الحقيقي كان جواه هو، بقى يقف قدام المراية أوقات ويبص لنفسه كأنه بيشوف شخص تاني، شخص كان عايش طول عمره في سباق مع الدنيا، فجأة وقف وسأل نفسه أنا كنت رايح فين؟ والإجابة كانت بتيجي على شكل صورة نور وهي بتضحك، أو يوسف وهو بيحاول ينطق أول كلمة.
في يوم، نور رجعت من المدرسة وساكتة، مش زي عادتها، سليم لاحظ ده فورًا، قرب منها وقال مالك؟
نور اترددت، وبعدين قالت بصوت واطي البنات قالولي إني مش شبههم وقالوا إني جيت من الشارع.
الكلمة نزلت تقيلة، مش عليها بس، على سليم كمان، لأنه فهم إن الماضي مش بيختفي بسهولة. قعد قدامها وقال إنتي مش شبه حد وده أحسن حاجة فيكي. كل واحد ليه حكايته، وحكايتك دي مش حاجة تخجلك دي حاجة خلتك أقوى.
نور سكتت شوية، وبعدين قالت بس أنا مش عايزة أبقى لوحدي.
سليم رد بهدوء وإنتي مش لوحدك مش دلوقتي ولا بعد كدة.
الكلام ده كان بداية جديدة لنور، بدأت تواجه، بدأت تتكلم، بدأت تفهم إن اللي فات جزء منها، مش كلّها. ومع الوقت، بقى عندها أصحاب، وضحكتها بقت أعلى، وثقتها بنفسها كبرت.
على الناحية التانية، سليم كان بيحاول يبعد عن أي حاجة ممكن ترجعه لدوامة قديمة، لكنه كان عارف إن مش كل حاجة بإيده، في ناس لسه بتراقب، لسه بتستنى، بس هو قرر إن حياته الجديدة تستاهل المحاولة، حتى لو الطريق مش سهل.
في ليلة من الليالي، الكهربا
سليم رد الضلمة مش وحشة الوحش إن ميبقاش في حد جنبك.
نور ابتسمت، وقربت أكتر، ويوسف هدي، وكأن اللحظة دي كانت درس بسيط، إن الأمان مش في النور، الأمان في اللي واقف جنبك.
الأيام كملت، وسليم بدأ يحقق حاجات مختلفة، ساعد ناس في الحي، حاول يصلح علاقات قديمة، بقى اسمه بيتقال بشكل تاني، مش بس هيبة، لكن احترام. ونور كانت بتشوف ده، وبتفهم إن الإنسان ممكن يتغير، مهما كان ماضيه.
وفي يوم مميز، نور جابت نتيجة المدرسة، كانت فرحانة بشكل مش طبيعي، جريت عليه وهي بتقول أنا نجحت!
سليم ابتسم ابتسامة واسعة، يمكن أول مرة تبقى بالوضوح ده، وقال أنا عارف إنك تقدري.
نور قالت له بحماس أنا عايزة أبقى حاجة كبيرة عايزة أساعد ناس زيي.
سليم
السنين بدأت تعدي، ببطء لكن بثبات، يوسف كبر، بقى يجري في البيت، ينادي يا عمو لسليم، ونور بقت شابة واعية، قوية، شايلة في قلبها ماضي صعب، لكن مش مكسور، بالعكس، بقى دافع.
وفي لحظة هادية على البلكونة، نور وقفت جنب سليم وقالت فاكر أول يوم؟
سليم رد عمري ما هنسى.
نور ضحكت وقالت أنا كنت فاكرة إن حياتي انتهت بس طلعت لسه بتبدأ.
سليم قال بهدوء وأنا كنت فاكر إني عشت كل حاجة بس طلعت ما كنتش عايش أصلاً.
سكتوا شوية، وبصوا للشارع، الحياة ماشية، ناس رايحة وناس جاية، بس بالنسبة لهم، كل حاجة كانت مختلفة، لأنهم اختاروا يكملوا سوا.
وفي النهاية، الحكاية ما كانتش مجرد إن حد أنقذ حد، كانت إنهم أنقذوا بعض، نور رجعت لسليم إنسانيته، وسليم ادّى لنور فرصة تعيش بكرامة، ويوسف كان الرابط اللي خلى كل حاجة تكمل.
والبيت اللي كان زمان مجرد قصر كبير، بقى مليان حياة، مليان ضحك، مليان أمل ومهما حصل بره، جواه كان دايمًا في حاجة ثابتة مكان ينفع يتقال عليه