نور وسليم

لمحة نيوز

في زقاق ضيق متخبي بين عمارات قديمة في قلب القاهرة، كان الليل ساكن بشكل غريب، كأن الدنيا كلها واخدة نفس وواقفة مستنية حاجة مش مفهومة، وفي وسط السكون ده كانت نور، طفلة عندها عشر سنين، واقفة حاضنة أخوها الصغير يوسف، جسمها الهزيل بيحاول يغطيه من البرد، وعينيها الواسعة شايلة عمر أكبر بكتير من سنها، عمر مليان تعب وأسئلة مالهاش إجابة. قدامها كان واقف المعلم سليم، الاسم اللي الحي كله بيحسب له ألف حساب، الراجل اللي عمره ما انحنى لحد، لكنه دلوقتي كان في وضع عمره ما تخيله لنفسه، راكع في الطين، مش مهتم بهندامه ولا شكله، كل تركيزه كان في عيون البنت اللي واقفة قدامه، عيون خالية من الدموع، لكن مليانة حكايات تقيلة.
نور سألته بهدوء غريب يخوف هتأذينا؟ لو كدة خلص بسرعة عشان أخويا جعان.
الكلمات نزلت على قلب سليم تقيلة، مش عشان معناها بس، لكن عشان الطريقة اللي اتقالت بيها، كأنها متعودة على أسوأ الاحتمالات. في اللحظة دي، حس بحاجة جواه بتتغير، حاجة قديمة كانت نايمة وصحيت فجأة. قال لها بصوت حاول يخليه هادي مش هأذيكي.
نور ما ردتش، بس حضنت يوسف أكتر، وكأنها مش

مصدقة أي كلام، وكأنها اتعلمت إن الأمان مش بيتقال، الأمان بيتشاف.
قرر سليم ياخدهم معاه، مش قرار عقلاني، لكنه كان قرار خارج من مكان أعمق، من حاجة شبه ضمير كان غايب ورجع فجأة. في العربية، نور كانت قاعدة على طرف الكرسي، خايفة تلمس أي حاجة، كأن المكان مش بتاعها، وسليم لاحظ كل تفصيلة، لاحظ إزاي هي بتبص حوالين نفسها بحذر، وإزاي بتقسم الأكل نصين، نص ليها ونص لأخوها، وكأنها بتفكر في بكرة قبل النهارده.
لما وصلوا القصر، نور رفعت عينيها للسقف العالي والنجف اللامع، وسألت بسذاجة موجعة هو ربنا عايش هنا؟
سليم ابتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة من سنين وقال لأ... بس ممكن يبقى المكان ده أهدى شوية.
الأيام بدأت تمشي، ببطء في الأول، نور كانت لسه حذرة، بتراقب كل حاجة، حتى وهي بتنام كانت إيدها متمسكة بيوسف، كأنها خايفة يصحى يلاقي نفسه لوحده. سليم من ناحيته بدأ يتغير من غير ما يحس، بقى يرجع البيت بدري، يسأل عليهم، يقعد يسمع نور حتى لو كلامها بسيط، وكان أول مرة في حياته يحس إن وجوده مهم لحد بشكل مختلف.
نور كانت بتسأله أسئلة غريبة هو الناس كلها عندها بيت زي ده؟
هو اللي
بيضحك كتير بيكون مبسوط بجد؟
لو حد وعدك بحاجة، ينفع ينسى؟
وكل سؤال كان بيكشف قد إيه هي شافت حاجات أكبر منها، وقد إيه هي محتاجة حد يثبت لها إن الدنيا مش كلها قاسية.
يوسف بدأ يتحسن، وصوته الصغير بقى يملأ المكان بحياة جديدة، ونور بدأت تضحك، ضحكة خفيفة في الأول، وبعدين بقت أوسع، لحد ما بقى في نور حقيقي راجع لاسمها. سليم كان بيقف أحيانًا يتفرج عليهم من بعيد، ويحس إن البيت اللي كان فاضي رغم كبره، بقى له روح.
لكن الدنيا مش بتمشي على مزاج حد، المشاكل اللي كانت حوالين سليم بدأت تقرب، ناس بتراقب، ناس مستنية أي فرصة، وهم عارفين إن أي نقطة ضعف ممكن تكون طريق. وسليم كان فاهم ده كويس، لكنه لأول مرة ما كانش خايف على نفسه، كان خايف على حد تاني.
في يوم، نور سألته وهي واقفة عند الباب لو حد حاول يبوظ المكان ده... هتخليه؟
سليم بص لها بثبات وقال طول ما أنا موجود... محدش هيقدر يقرب منكم.
نور سكتت لحظة، وبعدين قالت أنا مصدقاك.
والكلمة دي كانت أغلى من أي حاجة، لأنها جت بعد خوف طويل، وبعد تجربة خلتها ما تثقش في حد بسهولة.
الأيام عدت، وسليم بدأ ياخد قرارات مختلفة،
قرارات تخليه يبعد عن أي حاجة ممكن تهدد الهدوء اللي لقى طعمه لأول مرة، بدأ يرتب حياته من جديد، يحاول يصلح حاجات قديمة، ويقفل أبواب كان مفتوحها زمان.
نور بقت تروح مدرسة، أول يوم رجعت فيه كانت فرحانة بشكل مش طبيعي، حكت له عن كل حاجة، عن المدرسين، عن البنات، وعن دفترها الجديد، وسليم كان بيسمع باهتمام حقيقي، كأنه بيعيش معاها اللحظات دي.
وفي ليلة هادية، نور قعدت جنبه وقالت أنا كنت فاكرة إن مفيش حد بيبقى طيب من غير مقابل... بس أنت غيرت رأيي.
سليم رد بهدوء وأنا كنت فاكر إن مفيش حاجة ممكن تغيرني... بس طلع في.
البيت بقى فعلاً بيت، مش مجرد مكان كبير، بقى فيه صوت وضحك ودفا، وسليم بقى مش مجرد اسم الناس بتهابه، بقى شخص حد بيناديه يا عمو بحب وثقة.
وفي النهاية، الحكاية ما كانتش عن راجل قوي أو طفلة ضعيفة، كانت عن لحظة غيرت كل حاجة، عن لقاء بين قسوة وبراءة، قدر يخلق بداية جديدة، بداية فيها أمل، حتى لو الدنيا بره لسه صعبة، لكن جوه المكان ده، كان في حاجة أقوى كان في أمان.
الصبح دخل على البيت بهدوء مختلف، شمس خفيفة بتتسلل من الشباك، وصوت يوسف وهو بيضحك لأول
مرة من غير
 

تم نسخ الرابط