جوزي سابني وهرب
الزميل ده خرج وهو بيزق "كرسي متحرك" متصمم بشكل تكنولوجي متطور جداً وشيك، ومغطى بكسوة مخملية سوداء. ياسين مسك في حافة المنصة بقوة، وبحركة رشيقة جداً من جسمه القوي -اللي بناه في الجيم على مدار سنين- قدر ينقل نفسه للكرسي بهدوء وثقة.
مدحت وشه بقى لونه أزرق، وبدأ يرجع لورا خطوة، والناس بدأت تهمس. ياسين كمل بابتسامة وجع:
"اللي حضرتك شفته وأنا داخل القاعة، كان أطراف صناعية ذكية 'هيدروليكية' أنا اللي صممتها بنفسي في مشروع تخرجي بالتعاون مع قسم الهندسة الطبية.. أنا صممتها عشان أثبت للعالم إن العجز في 'العقل' مش في الرجلين. أنا لسه قعيد يا مدحت بيه.. لسه الشخص اللي أنت هربت منه ومن مسؤوليته، بس الفرق إن النهاردة، الكرسي ده هو اللي شايلني، مش أنت."
مدحت حاول يتكلم، شفايفه كانت بتترعش، قال بصوت مخنوق: "بس يا ابني.. أنا.. أنا كنت فاكر.."
ياسين قطعه بقوة: "كنت فاكر إني خفيت فجيت تتصور جنبه؟ كنت فاكر إن العار اتمسح فقلت أرجع آخد اللقطة؟ لا.. أنا عزمتك النهاردة لسبب واحد بس.. عشان أرد لك الجملة اللي قلتها لأمي من ٢٥ سنة."
ياسين سكت لحظة، وبعدين قال بصوت مسموع للقاعة كلها:
"أنا النهاردة اللي مش حمل الكلام ده.. وأنا اللي متعلمتش وتعبت عشان أعيش الحياة دي معاك.. أنت
مدحت ملقاش مكان يداري فيه وشه، نظرات الشفقة اللي كان خايف منها زمان، اتحولت لنظرات "احتقار" من كل اللي قاعدين. الناس اللي كانت بتبارك له من شوية، بعدت عنه كأنه وباء. ملقاش قدامه غير إنه يلف وضهره محني، ويخرج من القاعة وهو بيجر أذيال الخيبة، والمرة دي مش هو اللي سابنا.. إحنا اللي نفضناه من حياتنا للأبد.
مرت الأيام بعد الحفلة، وياسين بدأ مشواره العملي. مكنش مجرد دكتور شاطر، ده بقى أيقونة. فتح مركز متخصص لتأهيل ذوي الهمم وتطوير أطراف صناعية بأسعار رخيصة للغلابة. كان بيقولي دايماً: "يا أمي، ربنا حرمني من الحركة عشان أكون حركة للناس اللي فقدت الأمل."
أما أنا، فكنت عايشة أجمل أيام عمري. الوجع اللي كان في قلبي ٢٥ سنة داب زي الملح في المية. بس الدنيا لسه كان عندها فصل أخير في حكاية مدحت.
بعد سنتين، جالي تليفون من مستشفى حكومي كبير. الممرضة قالتلي: "يا فندم، فيه مريض عندنا في حالة حرجة، ومعهوش حد، ولقينا رقمك في محفظته القديمة تحت اسم 'البيت'.. المريض اسمه مدحت."
روحت هناك، مش حب فيه، بس عشان أقفل الصفحة
لما شافني، عينيه دمعت.. حاول يرفع إيده عشان يمسك إيدي بس مقدرش. بصيت له بأسى وقلت له: "شوفت يا مدحت؟ الدنيا دارت إزاي؟ السرير اللي كنت خايف تقضي حياتك جنبه بسببي أنا وابنك، بقيت أنت اللي محبوس فيه والناس هي اللي خايفة تقرب منك."
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخل ياسين. كان لابس البالطو الأبيض، وعلى كرسيه المتحرك اللي بقى بيتحرك بيه بسرعة ومهارة تفوق أي حد بيمشي. ياسين وقف قدام سرير أبوه، مدحت لما شافه، انهار من العياط المكتوم، كان نفسه يطلب السماح بس لسانه كان تقيل.
ياسين مسك إيد مدحت، وبص في عينيه بهدوء وقال: "متخافش.. أنا مش هعمل زي ما أنت عملت. أنا دكتور، وديني وعلمي والست اللي ربتني علموني إننا منرميش حد في وقت ضعفه، حتى لو الشخص ده رمى ابنه وهو لسه في اللفة."
ياسين تكفل بعلاجه كله، ونقله لغرفة خاصة، وبقى بيشرف على حالته بنفسه كل يوم. كان بيعامله بمنتهى الإنسانية، بس من غير "حب". كانت علاقة طبيب بمريض، وده كان أصعب عقاب لمدحت. إنه يشوف ابنه كل يوم، يلمسه، يعالجه، ويحس ببرود مشاعره
مدحت عاش سنة واحدة في الحالة دي، سنة كان بيموت فيها كل يوم من الندم وهو شايف ابنه "القعيد" شايل المستشفى كلها على كتافه، والناس بتبوس إيده من كتر أدبه وعلمه. لما مات مدحت، ياسين دفنه ووقف خد عزاه، وبعد ما خلصنا، رجعنا بيتنا.
ياسين قعد جنبي، حط راسه في حضني زي ما كان بيعمل وهو صغير، وقال: "كده يا أمي، الحمل انزاح.. والقصة خلصت صح؟"
بست راسه وقلت له: "القصة مخلصتش يا حبيبي، القصة لسه بتبدأ.. أنت النهاردة مش بس بقيت دكتور ناجح، أنت بقيت إنسان غلب شيطانه، وبقيت رجلي وسندي اللي ربنا عوضني بيهم عن كل لحظة خوف."
بصيت للصورة اللي على الحيطة لياسين وهو بيستلم شهادة التخرج، وابتسمت. الدنيا فعلًا دوارة، واللي بيزرع خير بيلاقيه، واللي بيبني حياته على هروب وخوف من القدر، القدر بيجيله لحد عنده ويحاسبه حساب عسير.
ياسين ابني، اللي كان "قعيد" في نظر أبوه، بقى هو اللي ماشي بيا لفوق، والكرسي اللي كان خايف منه مدحت، بقى هو العرش اللي ياسين قاعد عليه وبيدير منه حياة ومستقبل آلاف المرضى.
دي حكايتي.. حكاية "ياسين" اللي علمني إن القوة مش في العضلات، القوة في القلب اللي مبيعرفش يكره، وفي الروح اللي بتطير حتى لو الرجلين
تمت.