أجبرتني حماتي

لمحة نيوز


جميعاً لكن صوتي خرج بالكاد مسموعاً
لماذا تخبرني الآن؟
صمت سعد للحظة، ثم قال
لأنني سمعته قبل قليل ينادي باسم سيف ولأن زوجة أبي طلبت مني أن أحتفظ بالمفتاح حتى الصباح فهمت أنهم لم يعودوا يريدون إخفاءه بل يريدون أن يقرروا ماذا سيفعلون به مع الفجر.
تجمدت يداي.
قلت بسرعة
المفتاح معك؟
تردد ثم أخرج من جيبه مفتاحاً صغيراً قديماً، لونه نحاسي.
قال
لا أستطيع إعطاءك إياه هنا هناك من يراقب.
نظرت إليه بحدة
إذن افتح الباب.
هز رأسه
ليس الآن.
قلت بغضب مكتوم
سعد!
اقترب أكثر، وقال بصوت أخفض
اسمعيني أبي يحمل سلاحاً.
تجمدت كلماتي في حلقي.
وأكمل بسرعة، كأنه أخيراً قرر قول كل شيء
منذ بدأت مشاكل الديون، وهو يحتفظ بمسدس في مكتبه واليوم أخرجه. رأيته بنفسي. وإذا أحدثتِ أي ضجة الآن كل شيء سيتحول إلى كارثة.
شعرت بأن جدران المطبخ تضيق حولي.
قلت بصوت مرتجف
وماذا تريدني أن أفعل؟ أن أجلس هناك وأنتظرهم ليقرروا إن كان سيعيش أم لا؟
قال بثبات
أريدك أن تفكري لا أن تنهاري.
وقبل أن أجيبه، سُمعت خطوات تقترب.
أعاد سعد المفتاح بسرعة إلى جيبه، ورفع الكأس وكأنه كان يشرب، وفي تلك اللحظة ظهرت حماتي عند الباب.
كانت ترتدي السواد بعناية، ومسبحتها بين أصابعها، ووجهها يحمل ملامح الحزن لكن عينيها لم تكونا كذلك، كان فيهما شيء يقظ حاد كأنه يراقب كل حركة.
قالت بنبرة باردة
ماذا تفعلين هنا؟
أجبت بثبات
أحاول أن ألتقط أنفاسي.
ابتسمت ابتسامة خفيفة لا تصل إلى عينيها.
هذا ليس وقت التجول في المنزل هناك من يهتم بأمر ابني.
قلت بهدوء
نعم لاحظت ذلك.
وضع سعد الكأس في الحوض وقال
سأعود إلى المجلس.
خرج دون أن ينظر إليّ.
تقدمت حماتي خطوة نحوي، وقالت بصوت منخفض
لا أعرف ماذا تعتقدين أنك سمعتِ لكن تذكري أنك هنا من أجلنا.
نظرت إليها مباشرة.
من أجل ماذا؟
قالت
سيف يحتاج إلى الاستقرار وأنتِ لستِ في موقع يسمح لك بمواجهة هذه العائلة.
قلت ببطء
أنا زوجة مصطفى.


ظهرت على شفتيها ابتسامة باردة.
أنتِ أم ابنه هذا صحيح أما الباقي فيعتمد على أدوار لم تريها بعد.
سقطت كلماتها بيننا كأنها تهديد مغلف.
أردت أن أسألها أن أواجهها لكن صوتاً جاء من الخارج يناديها.
نظرت إليّ للحظة أخيرة، ثم عدلت عباءتها وعادت بوجهها الحزين إلى المجلس.
تركتني وحدي.
أتنفس بصعوبة.
وأفكر في كلماتها
أدوار لم تريها بعد.
أدركت حينها أن الأمر لم يكن مجرد بيت.
كان هناك شيء آخر.
شيء لم يخبرني به مصطفى
وشيء كانت زوجة أبيه مستعدة لدفنه حتى لو كان لا يزال على قيد الحياة. 
عدتُ إلى غرفة الضيوف، وأغلقت الباب خلفي بهدوء، ثم فتّشت حقيبتي بسرعة. كان هاتفي لا يزال يعمل، لكن لا أثر للشبكة. كانت الإشارة ضعيفة دائماً، نعم لكنها لم تكن بهذا السوء من قبل، كأنها قُطعت عمداً.
كان سيف لا يزال نائماً. جلست بجانبه، أحدق في وجهه الصغير، وأحاول أن أفكر، أن أرتب كل شيء قبل أن ينهار كل شيء. حادث مُفبرك جسد غير موجود غرفة مغلقة حما يحمل سلاحاً وحماة مستعدة لدفن الحقيقة كاملة إذا كان ذلك يحمي ما تريده.
الاتصال بالشرطة من داخل المنزل مخاطرة، قد يسمعني أحد قبل أن يصل أي أحد، والخروج وحدي وترك سيف مستحيل. وحتى لو أخذته معي، قد يعودون وينقلون مصطفى قبل أن أرجع، أو يقلبون القصة ضدي ويجعلونني أبدو وكأنني فقدت عقلي، خاصة مع نفوذ أبيه وعلاقاته.
كل الاحتمالات كانت سيئة.
ثم تذكرت شيئاً بسيطاً بسيطاً لدرجة أنني كدت أضحك.
جهاز سيف اللوحي.
كنت أتركه له عندما نأتي إلى هذا البيت، لأن الإنترنت هنا، رغم ضعفه على الهاتف، كان يعمل بشكل أفضل على شبكة المنزل. نهضت بسرعة، فتحت الخزانة، وأخرجت حقيبته، بحثت فيها حتى وجدته، كان مشحوناً بشكل جيد، ضغطت على زر التشغيل وانتظرت ثوانٍ بدت أطول مما يجب.
ثم أخيراً اتصل بالشبكة.
بدون كلمة مرور.
كما هو الحال دائماً.
لم تتعلم حماتي يوماً كيف تغيّر أي شيء.
فتحت تطبيق الرسائل فوراً،
وكتبت إلى جارتي، الوحيدة التي كانت تعلم أن مصطفى كان قلقاً في الأيام الأخيرة، والتي يعمل شقيقها في الشرطة. لم أكتب كثيراً، فقط ما يكفي لينقذنا
مصطفى ليس ميتاً أنا في بيت أهله لقد احتجزوه الجثمان غير حقيقي إذا لم أرد خلال خمس دقائق، أرسلوا الشرطة فوراً العنوان ادخلوا الآن.
أرفقت صورة. لم أستطع تصوير الغرفة المغلقة، لكنني التقطت صورة من المجلس الكفن الشموع المشهد كله.
ثم أرسلتها.
وبدون تفكير، شغّلت مسجل الصوت، ووضعته داخل جيب سترتي. إذا حدث شيء أردت أن يبقى دليل. أي شيء.
مرت دقيقتان.
ثم ثلاث.
ولا رد.
فقط صمت ثقيل يضغط على صدري.
وفجأة سُمِع صوت ارتطام، ثم همهمة، ثم خطوات سريعة في الممر.
رفعت رأسي بسرعة، فرأيت سعد في نهاية الممر يشير إليّ بعجلة واضحة والمفتاح في يده.
نهضت فوراً، خرجت من الغرفة، وأغلقت الباب خلفي بحذر. قلبي كان يخفق بعنف، لدرجة شعرت أن صوته قد يفضحني.
وقفنا في منتصف الممر.
همس بسرعة
أبي في الخارج وزوجة أبي في المجلس ليس لدينا سوى أقل من دقيقة.
ووضع المفتاح في يدي.
نظرت إليه وسألته بسرعة
إذا أخرجناه هل يستطيع الوقوف؟
قال
أحياناً وأحياناً لا هو مقيد من يده.
تجمدت.
مقيد؟
أغمض عينيه لحظة، وقال
لا تسألي الآن.
أدخلت المفتاح في القفل.
كانت يدي ترتجف أخطأت مرة ثم ثانية
وفي الثالثة استقر.
سمعت صوت طقطقة خفيف.
وبمجرد أن بدأت في تدوير المفتاح
رنّ الجهاز اللوحي من داخل الغرفة.
صوت إشعار واضح مرتفع مزّق الصمت.
شحب وجه سعد فوراً.
وتجمد كل شيء.
ثم جاء صوت حماتي من بعيد، حاداً كالسيف
ما هذا الصوت؟
شدَدت على المفتاح.
وعلى الجانب الآخر من الباب جاءت ضربة واحدة.
ضعيفة
 


يائسة.
وفي نفس اللحظة تماماً من خارج المنزل سُمع صوت فرامل سيارة على الحصى.
في اللحظة التي دوّى فيها الصوت، تجمّد كل شيء.
لم يعد هناك وقت للتفكير.
أدرتُ المفتاح وانفتح الباب.
اندفعتُ إلى الداخل دون انتظار.
كانت

الغرفة مظلمة ثقيلة كأن الهواء نفسه مخدَّر.
وعلى السرير كان مصطفى.
عيناه نصف مفتوحتين، وجسده مقيد، وذراعه مربوطة بإحكام في اللوح الخشبي، وشفاهه تتحرك بصعوبة، كأنه يحاول أن يقول شيئاً منذ وقت طويل.
اقتربتُ منه بسرعة، وقلبي يكاد يخرج من صدري.
مصطفى أنا هنا.
نظر إليّ، واستغرق لحظة ليتعرف عليّ، ثم تحركت شفتاه بصوت مكسور
خذي سيف وابتعدي
لم أسمح له أن يُكمل.
مددت يدي أحاول فك قيوده
وفجأة دوّى صوت خلفي
ابتعدي عنه!
التفتُّ.
كان أبو قاسم يقف عند الباب والمسدس في يده.
وخلفه زوجة أبيه.
لم يعد في وجهها أي حزن.
فقط برود قاسٍ خالٍ من الرحمة.
قالت بصوت منخفض لكنه مرعب
كنتِ ستفسدين كل شيء
وفي نفس اللحظة
دوّى طرق عنيف على الباب الخارجي.
صوت رجولي حاد
شرطة! افتحوا الباب فوراً!
ارتبك أبو قاسم لثانية ثانية واحدة فقط.
لكنها كانت كافية.
اندفع سعد من الخلف، وأمسك بذراع والده بقوة، فاختل توازنه، وانطلقت رصاصة ارتطمت بالجدار.
صرخت زوجة أبيه.
وانفتح الباب بعنف.
اندفع رجال الشرطة إلى الداخل، أوامر حادة، خطوات سريعة، أيدٍ تُمسك، وقيود تُغلق.
كل شيء حدث في لحظات.
وقفتُ بجانب مصطفى، أحاول فك الحبال بيدين مرتجفتين، بينما اقترب أحد المسعفين بسرعة، فحص نبضه، ثم قال بصوت مرتفع
على قيد الحياة!
توقفت للحظة كأنني لم أفهم الكلمة.
ثم نظرت إليه.
يتنفس حي.
خارج الغرفة، كانت زوجة أبيه تُسحب وهي تصرخ، وأبو قاسم يُقيَّد، وسعد يقف بعيداً، صامتاً، كأنه خرج أخيراً من كابوس طويل.
بعد ساعات جلستُ في المستشفى، ممسكة بيد مصطفى.
كان نائماً لكن هذه المرة نوماً حقيقياً.
آمناً.
فتح عينيه ببطء، ونظر إليّ.
ولأول مرة منذ بداية تلك الليلة لم يكن هناك خوف في عينيه.
فقط تعب وراحة.
ضغطتُ على يده وقلت بصوت خافت
انتهى كل شيء.
أغلق عينيه مرة أخرى وكأنه يصدقها أخيراً.
في الخارج، كانت الحقيقة قد كُشفت كاملة محاولة تسميم، احتجاز، تزوير، وسلاح.
لم
يعد هناك ما يُخفى.
ولم يعد هناك أحد يستطيع إيذاءنا.
نظرت إلى سيف، النائم على الكرسي بجانبي، ثم عدت بعيني إلى مصطفى.
وتنفست لأول مرة منذ تلك الليلة براحة حقيقية.
انتهى الأمر.

تم نسخ الرابط