السـر اللي اتخبّـى كـاملة بقلـم انجي الخطيب
الجزء الثاني
نزلت البدروم عشان ماكانش عندي مكان تاني أروحه.
هو أصلاً ماكانش أوضة حقيقية كان مخزن قديم، أبويا حط فيه سرير ضيق، أباجورة مكسورة، ودولاب ريحته رطوبة.
في شباك صغير قوي فوق، قريب من السقف على مستوى الأرض برا.
كنت بشوف رجلي الناس بس لما يعدّوا.
اللمبة بتزن زي صوت ناموسة مش راضية تسكت.
قعدت على السرير ولسه ريحة الزبالة في هدومي إيدي على رجلي وببص على الأرضية الأسمنت
لحد ما النور برا اتحوّل من أخضر لدهبي لسواد.
ماطلعتش أتعشى.
الساعة 11، أمي خبطت على الباب خبطتين ناشفين.
قالت من ورا الباب
هتفضلي قاعدة تزعلي تحت كده؟ ولا هتنضفي الزبالة اللي وسّختي بيها المدخل؟
فتحت عشان لو ما فتحتش كانت هتفضل تتكلم.
كانت لابسة روب حرير وشعرها بكرات وماسكة كباية فيها حاجة لونها غامق.
بصت على دراعي المتورم وماقالتش حاجة.
قالت ببرود
إنتي عارفة إنتي إيه؟ إنتي عالة وشهادتك دي وهم. أختك لمى بتبني مستقبل بجد إنتي بس بتخنقي المكان بريحتك.
ومشيت.
صوت الشبشب بتاعها على السلم كان أهدى من كلامها.
تاني يوم البيت كان ساكت بشكل غريب.
مفيش تلفزيون
مفيش صوت سيشوار
مفيش دواليب بتتفتح.
على التلاجة، تحت مغناطيس ليمونة، ورقة بخط أبويا
مسافرين أنا ولمى. راجعين بعد أسبوع. إوعي تبوظي البيت.
بس كده.
لا اعتذار
لا فلوس
ولا حتى أكل.
وقفت حافية على البلاط البارد بحاول أفكر
مخي تقيل كأنه ملفوف في قطن.
فتحت
بس كارنيه قديم وكارت قهوة عليه ختمتين.
المفروض اللاب توب بتاعي فوق
ولو هم مسافرين أسبوع ممكن ألم حاجتي وأمشي
ممكن أكلم كريمة
ممكن
الموبايل رن.
لمى بعتت صورة.
الشنطة بتاعتي مرمية على الرصيف قدام البيت ميلة كأنها سكرانة.
وكاتبة
Oops غيرنا الطريق. أتمنى يعجبك المكان الجديد.
قلبي اتقبض.
جريت برا بسرعة
ماخدتش حتى بالي من باب السلك.
الرصيف فاضي.
مفيش شنطة
مفيش هدوم
ولا أي حاجة.
المكان اللي كانت فيه الشنطة الأرض فيه مدهوسة كأن حاجة تقيلة كانت موجودة واختفت.
الموبايل رن تاني.
أبويا.
رديت فورًا
حاجتي فين؟!
قال بصوت بارد
ودّيناها.
فين؟!
هتلاقيها في ملجأ في أسيوط شارع ٩١. اتعلمي تعيشي بقى.
أسيوط بعيدة ساعات.
افتكرت إني سمعت غلط
إيه؟!
قال
نشوف هتعيشي إزاي.
وقفل.
الدنيا سكتت فجأة.
بصيت حواليّا البيت السور المرجحة سجادة أهلاً وسهلاً اللي أمي بتغيرها كل موسم
عملوها بجد.
رموا حياتي كلها هدومي بطاقتي اللاب توب كل حاجة في ملجأ بعيد كأني مش بني آدم.
كنت متوقعة أتكسر
بس لأ.
حاجة جوايا سكنت.
مش هدوء
مش برود
سكون غريب زي قبل ما المية تتجمد.
مدام ثريا كانت ساكنة بعدنا ببيتين
ست طيبة دايمًا بتسألني عن دراستي بجد.
روحتلها هدومي متبهدلة وركبي مجروحة.
فتحت الباب اتصدمت
يا بنتي إيه اللي جرالك؟!
كنت ممكن أضحك وأكذب
بس لأول مرة قلت الحقيقة.
كلها.
المدخل الزبالة الشنطة المكالمة.
ماقاطعتنيش بس وشها كان بيشد مع كل كلمة.
دخلت جوا ورجعت بفلوس ملفوفة في منديل وكارت.
قالت
ابن أختي اسمه مالك عنده ورشة تصليح أثاث في البلد اللي جنبنا. كلميه.
بصيت على الكارت
مالك حسن ترميم أثاث
قفلت إيدي عليه وقالت
إنتي مش زي ما قالوا ولو هم قرروا يرموكي يبقى لازم يندموا على المكان اللي هتقعي فيه.
وقفت على بابها الدم ناشف على ركبي والكارت في إيدي
وحسّيت بحاجة جديدة.
مش غضب
شرارة.
زي أول شعلة نار.
وبصيت على بيتنا
لقيت شباك البدروم مفتوح سنة صغيرة
وشوفت طرف السرير.
اللابتوب كان المفروض فوق
ليه حاسة إنه مش هناك؟
الجزء الثالث
ورشة مالك كان ليها ريحة مميزة
خشب تراب سخن ومطر قديم.
دخلت بدري قبل الشروق
المكان ورا مخازن قديمة مبنى صاج لونه باهت والشبابيك عالية.
في راديو شغال موسيقى هادية
وصوت خشب بيتخبط وعدة بتتحط بهدوء.
كنت سهرانة طول الليل ماسكة الكارت في إيدي كأنه ممكن يختفي.
كلمته الصبح وماسألش كتير بس قال
تيجي 8؟
دلوقتي واقف قدامي لابس تيشيرت رمادي عليه نشارة خشب جسمه عريض شكله في نص التلاتينات.
بص على هدومي على دراعي على ركبي
وبص بعيد بسرعة كأنه مش عايز يحرجني.
قال
خالتي ثريا بتقول إنك شاطرة وبتقول أهلك مش فاهمين قيمتك. أنا مصدقها.
ابتسمت غصب عني.
مشّاني في الورشة كراسي مكسورة بانيو قديم دولاب متفكك
كل حاجة بين الخراب والإصلاح.
بس المكان حسّيته صادق
الحاجات المكسورة هنا معترف إنها مكسورة.
في الآخر كان في أوضة صغيرة فيها سرير ومروحة.
قال
تقدري تقعدي هنا كام يوم ولو اشتغلتي ومفيش مشاكل، تقعدي أكتر.
قلت بسرعة
أنا مش هعمل مشاكل.
بصلي وقال
كل الناس بتقول كده قبل ما المشاكل تيجي لحد عندهم.
وبعدين اداني فوطة وصابونة وتيشيرت نضيف.
قال
الحمام هناك المية بتسخن ببطء والقهوة سادة لو بتشربي.
كنت عايزة أشكره بس الكلام وقف.
دخلت الحمام المية ساقعة في الأول
غسلت الزبالة من جسمي
شفت كدمة على دراعي شكل صوابع أبويا.
رجعت لقيته محضر قهوة وكشكول.
قال
احكي من الأول.
وحكيت.
لما وصلت لحتة أسيوط وقف.
قال
كلمتي الملجأ؟
قلت
لأ.
قال بهدوء
اعملي كده الأول.
الجزء الرابع
مسكت الموبايل وإيدي بترتعش.
دوّرت على رقم الملجأ اللي قال عليه
اتصلت.
رن كتير وبعدين صوت ست ردت
أيوه، ملجأ الرحمة
بلعت ريقي
أنا في حد سابلي شنطة عندكم؟ باسمي
سألتني عن اسمي بالكامل
وبعدين سكتت لحظة.
قالت
أيوه في شنطة وصلت امبارح بالليل بس
قلبي وقع
بس إيه؟!
في ورق كان معاها واتاخد.
ورق إيه؟!
اللابتوب والملفات والحاجات المهمة مش موجودة.
بصيت لمالك
وهو فهم من غير ما أتكلم.
قفلت المكالمة ببطء.
قلت بصوت مكسور
اللابتوب مش هناك.
مالك ساب القلم وبصلي بتركيز
كنتي حاسة بكده؟
هزّيت راسي
أيوه
سكت لحظة وبعدين قال
يبقى
الكلمة دي خبطتني.
يمسحوا وجودي.
فجأة افتكرت الشباك المفتوح في البدروم
وإحساسي الغريب.
قلت بسرعة
لازم أرجع البيت.
الجزء الخامس
رجعت بعد الضهر.
البيت كان فاضي هادي بطريقة مخيفة.
فتحت الباب بالمفتاح اللي لسه معايا
دخلت على أطراف صوابعي.
قلبي بيدق جامد.
نزلت البدروم.
الشباك فعلاً مفتوح سنة صغيرة.
الستارة بتتحرك مع الهوا.
بصيت حواليا
السرير الدولاب الأباجورة
وبعدين شفت حاجة.
الأرض جنب السرير
في خدش جديد في الأسمنت.
قعدت على ركبي
وحاولت أحرّك السرير.
تقيل بس اتحرك شوية.
تحته كان