في عزاء جوزي

لمحة نيوز

​"في عزاء جوزي… سمعت صوته بيستنجد بيا من ورا باب مقفول، وساعتها فهمت إن النعش اللي قدامي مش فيه ميت… فيه جريمة."

ليلة النحب المستعار

"أحياناً لا يقتلنا الموت، بل يقتلنا الأحياء الذين يستعجلون دفننا ليرثوا ما تبقى من حطامنا."

البداية: الفخ

​كانت الرائحة في منزل "الست وهيبة" في قلب حي السيوف بالإسكندرية لا تشبه رائحة الموت المعتادة. لم تكن هناك رائحة سدر أو كافور، بل كانت تفوح رائحة بخور ثقيل يحاول خنق شيء ما. أجبرت وهيبة زوجة ابنها "سلمى" على إقامة العزاء في بيتها القديم، بحجة أن "بيت الأصول" هو الأحق بوداع ابنها "خالد".

​ساعتان فقط فصلتا بين خبر الحادث ووجود النعش في وسط الصالة. أخبروها أن خالد لقى حتفه في تصادم مروع على طريق "وادي النطرون"، وأن الجثة "مهشمة" ولا يجوز فتح الكفن إكراماً للميت.

​كانت سلمى تجلس كالمغيبة، تنظر إلى النعش المغلق بصمت مريب. تذكرت كلمات خالد الأخيرة قبل خروجه في الصباح، حين أمسك يدها بقوة وقال بلهجة لم تفهمها وقتها:

"يا سلمى، لو غبت، الورق اللي في الخزنة أمانة في رقبتك.. أمي وإخواتي مش عايزين يسبونا نعيش، العين باصة في لقمة ابني قبل لقمتي."

مشهد
العزاء المريب

​كان العزاء منظماً بدقة مرعبة. الست وهيبة بوشاحها الأسود لم تكن تبكي، بل كانت "تراقب". عيناها تلاحقان كل من يقترب من النعش. أما "باهر"، شقيق خالد، فكان يمسك بهاتفه ويرتعد كلما رن، وعيناه تزوغان في أركان الغرفة. حتى المحامي "الأستاذ مرسي"، صديق العائلة المقرب، كان يجلس في الزاوية كغراب ينتظر انقضاء الليلة لينهش الفريسة.

​في تمام الساعة الثانية صباحاً، انصرف أغلب المعزين، وبقيت النسوة المقربات فقط. دخلت سلمى لغرفة جانبية لتطمئن على طفلها "آدم" الذي نام من كثرة البكاء. فجأة، شق سكون الليل صوت لم يكن من المفترض أن تسمعه أبداً.

"طـق.. طـق.. طـق"

​صوت خبطات منتظمة وضعيفة تأتي من الغرفة المجاورة لغرفة المكتب، وهي غرفة لطالما كانت وهيبة تغلقها بالقفل وتدعي أنها "مخزن للمؤن".

الصوت الذي أحيا الموتى

​تجمدت الدماء في عروق سلمى. اقتربت من الباب المغلق، وضعت أذنها على الخشب البارد، فسمعت هساً مبحوحاً، صوتاً تعرفه أكثر من نفسها:

"سلمى.. افتحي.. هيموتوني يا سلمى.."

​شهقت سلمى، وكادت تصرخ "خالد؟!" لكن يداً قوية كممت فمها وجذبتها بعنف للخلف. كان باهر، وجهه شاحب كالأموات، وعرقه يتصبب

رغم برودة الجو. همس في أذنها بفحيح مرعب:

"لو عايزة تخرجي من هنا حية انتِ وابنك، اعملي نفسك مسمعتيش حاجة. اطلعي كملي العزا، وإلا النعش اللي برا ده هيشيل جثتين بدل الخشب اللي جواه!"

انكشاف المستور

​جرها باهر إلى الحمام وأغلق الباب. انهار أمامها وحكى الحقيقة المسمومة. لم يكن هناك حادث، بل كانت مؤامرة. الأب، الحاج رضوان، لم يمت بنوبة قلبية العام الماضي، بل تم "تغييبه" بالتدريج حتى وقع على تنازل عن أملاكه لوهيبة ومرسي المحامي، ثم تركوه يموت ببطء.

​خالد اكتشف تزوير العقود، واكتشف أن أمه باعت "بيت العيلة" الكبير الذي يعيش فيه خالد وسلمى لشركة استثمارية بملايين الجنيهات، وكان ينوي إبلاغ النيابة في الصباح. لذلك، دبروا له "كميناً" على الطريق، اختطفوه، وضعوا أخشاباً وحجارة في النعش ليوهموا الناس بموته، وكانوا يخططون لإجباره على التوقيع تحت تأثير المخدر، ثم التخلص منه نهائياً بادعاء "سكتة قلبية" ناتجة عن صدمة الحادث.

البطل الصغير

​بينما كانت وهيبة تقود "تمثيلية" الحزن في الصالة، وتستعد لإنهاء الإجراءات في الصباح، كان الصغير "آدم" قد استيقظ. لم يذهب لأمه، بل تذكر "لعبة السر" التي علمه إياها

والده. خالد كان يتوقع الغدر، فأعطى ابنه رقم هاتف لصديق عمره "الرائد يوسف" وقال له: "لو حد زعل بابا أو ماما، كلم عمو يوسف وقوله الكلمة دي: (الأمانة في خطر)."

​تسلل آدم من باب المطبخ، وذهب لبيت "الست زكية" الجارة الطيبة، وطلب منها الاتصال بالرقم.

ساعة الحساب

​في اللحظة التي كانت وهيبة ترفع فيها صوتها بالدعاء لـ "فقيدها"، تحطمت بوابة المنزل الخارجية. اقتحمت قوات الأمن البيت بقيادة الرائد يوسف. ساد الهرج والمرج، حاولت وهيبة التظاهر بالإغماء، لكن سلمى لم تعطهن فرصة. صرخت وهي تشير للغرفة المغلقة: "جوزي محبوس هنا! خالد حي!"

​كسرت الشرطة الباب، ليخرج خالد، شاحباً، منهكاً، لكنه ينبض بالحياة. انهار المحامي مرسي واعترف بكل شيء، بينما كانت وهيبة تنظر لابنها العائد من الموت بحقد لم تعرفه القلوب من قبل، وهي تصرخ: "كل ده عشان اسم العيلة ميتمرمغش في التراب!"

النهاية

​انتهت ليلة النحب المستعار بانتصار الحقيقة. باهر، الذي كان شريكاً بصمته، تحول لشاهد ملك لينقذ نفسه من براثن أمه. 

أما سلمى وخالد، فقد غادرا ذلك البيت وهما يدركان أن "الدم" لا يحمي دائماً من الغدر، وأن هناك بيوتاً جدرانها بنيت

من الخديعة، لكن قلب طفل صغير وصبر امرأة مقهورة كانا كفيلين بهدمها فوق رؤوس الظالمين.

تم نسخ الرابط