اختفت منذ تسع سنوات

لمحة نيوز

تمكنتُ من الإمساك بها قبل أن تسقط. المرأة أختي، رغم أن عقلي لم يكن قادرًا بعد على استيعاب هذه الكلمة لم تتحرك لمساعدتها. كانت ما تزال تنظر إلى أبي بثباتٍ مخيف، أكثر رعبًا من أي صراخ.
كان هو أول من تراجع.
ادخلوا إلى المنزل قال بصوتٍ جاف هذا جنون.
شدّت الطفلة يد فابيولا بقوة أكبر.
لا قالت الجنون كان أن تحبسني تسع سنوات، ثم تأتي إلى هنا لتتظاهر بأنك كنت تبكي عليّ.
أطلقت أمي شهقة عميقة، كأنها تخرج من عظامها.
راؤول قل لي إن هذا غير صحيح أرجوك قل لي إنه غير صحيح
لكن أبي لم ينظر إليها. كان ينظر إلى الشارع، إلى الظلال، إلى الشاحنة المتوقفة على بعد منزلين. كأن رجلًا يحاول أن يحسب طريق الهرب.
وكان ذلك التصرف هو ما كسرني تمامًا.
لأن الإنسان قد يشك في قصة، قد يشك في وجهٍ غيّره الزمن، أو صوتٍ قساه الألم، أو ذاكرةٍ مجروحة لكنه لا يشك في ذلك الخوف. ذلك الخوف لا يعرفه إلا من يدرك أنه قد انكشف.
ادخلي قلتُ لفابيولا دون تفكير ادخلي قبل أن يخرج الجيران.
نظرت إليّ للمرة الأولى. لم تكن عيناها كما كانتا. ليس في اللون ولا الشكل بل في شيء أعمق. عينان رأتا أكثر مما ينبغي، وقررتا ألا تطلبا الإذن من أحد بعد اليوم.
أومأت.
دخلت مع الطفلة، وأغلقتُ

الباب. تقدّم أبي خطوة نحو الممر، كأنه يريد أن يختفي، أن يتحول إلى جدار.
لا تفكر حتى في ذلك قلتُ له.
التفت إليّ. ليس كأب، بل كرجل غاضب لأن امرأة أخرى تجرأت على مخالفته.
أنتِ لا تفهمين شيئًا، يا مارييلا.
أطلقت فابيولا ضحكة قصيرة مكسورة.
لا يا أبي التي لم تكن تفهم شيئًا كنتُ أنا، عندما أدخلتني إلى الشاحنة وأخبرتني أنك ستساعدني على الهرب من مشكلة.
وضعت أمي يديها على فمها.
أي مشكلة؟ همست.
وساد ذلك الصمت الثقيل الذي لا يظهر إلا عندما تكون العائلة على وشك أن تتوقف عن كونها العائلة التي كانت تعرفها.
أغمض أبي عينيه لحظة.
أوريليا، لا تصدقي كل ما تقوله. هي مرتبكة. لقد أُذيَت. لا بد أن أحدًا ملأ رأسها بأفكار
لم يمسّ أحد رأسي! صرخت فابيولا لأول مرة أنت من دمّر حياتي!
التصقت الطفلة بساقها، لكنها لم تبكِ. كانت تنظر إلينا جميعًا بنظرة حزينة، أكبر من عمرها.
قُل لهم لماذا أخذتني من المنزل تلك الليلة تابعت فابيولا قُل لهم ماذا اكتشفت. قُل لهم لماذا قررت أن دفني حيّة أفضل من أن أتكلم.
شعرتُ أن الأرض تميد بي.
ماذا اكتشفت؟ سألت.
تأخر أبي في الرد طويلًا، حتى أصبح الصمت اعترافًا قبل أن ينطق.
رأيتها قال أخيرًا بصوتٍ واهن رأيتها تخرج من الفندق
مع عمّك إستيبان.
أطلقت أمي أنينًا يشبه صرخة حيوان مجروح.
إستيبان.
شقيق أبي الأصغر.
العم الذي كان يأتي كل أحد ليتناول معنا لحم الجدي. الذي جلب الزهور يوم اختفاء فابيولا. الذي رافق أمي لتوزيع المنشورات في المدينة، بينما كان أبي يغلق على نفسه في الفناء ويدخن.
شعرتُ بالغثيان.
لم تُبعد فابيولا نظرها عنه.
كنتُ في العشرين قالت وكان يكبرني بخمسة عشر عامًا. لاحقني لأشهر. ملأ رأسي بالأكاذيب. قال إنه سينفصل، وإنك لن تفهم، وإن أمي ستكرهني. كنتُ ساذجة، خائفة، مغرمة وعندما حاولتُ الخروج من ذلك، كنتُ قد أصبحتُ حاملًا.
بدأت أمي تهز رأسها مرارًا
لا لا لا
أخبرتُ أبي لأنني ظننتُ أنه سيساعدني قالت فابيولا، واهتز صوتها أخيرًا قلتُ له إنني خائفة، وإن إستيبان يهددني، وإنه إذا تكلمت لن يصدقني أحد، وإنهم سيشتمونني، وإنكِ ستموتين خجلًا. فقال لي إنه سيأخذني إلى صديقة له في سالتيو بضعة أيام حتى نفكر في حل.
نظرتُ إلى أبي، أبحث عن ندم، عن إنسانية لكنني لم أرَ سوى تعب. ذلك التعب البائس لمن يحمل كذبة طويلة.
لم أرد أن تتدمر العائلة تمتم.
اندفعت فابيولا نحوه كأن كلماته أشعلت فيها نارًا. وقفتُ بينهما غريزيًا، ليس دفاعًا عنه، بل خوفًا من أن ينفجر كل
شيء.
أنت من دمّرها! صرخت من خلفي حبستني في بيت ريفي لصديقك! أخذت هاتفي، حقيبتي، كل شيء! وأخبرتهم أنني مريضة نفسيًا!
أطلقت أمي صرخة مكتومة وسقطت على الكرسي.
كم من الوقت؟ سألت بصوتٍ متحجر.
في البداية أشهر قالت فابيولا ثم سنوات. عندما وُلدت ألما، لم أعد أستطيع الحركة. حاولت الهرب مرتين. في الأولى أمسكوا بي في الطريق. في الثانية ضربوني حتى ظننت أنهم سيقتلونني.
رفعت الطفلة رأسها عندما سمعت اسمها. ألما. هكذا كانت تُدعى.
تحدث أبي فجأة، بيأس
كنتُ أرسل المال! لم أترككنّ دون طعام!
نظرت إليه فابيولا باحتقار بارد.
يا له من أبٍ رحيم. خطفني، ودمّر حياة ابنتي، وما زال يظن أن المال يجعله أقل وحشية.
لم أعد أستطيع التنفس جيدًا. كل ذكريات السنوات التسع كانت تعيد ترتيب نفسها كزجاج مكسور في رأسي. شجارات أمي وأبي. غضبه كلما أرادت البحث. صمته حول إستيبان. واختفاء عمه المفاجئ بحجة عمل في تكساس.
أين إستيبان؟ سألت.
ابتلع أبي ريقه.
لا أعلم.
تكذب قالت فابيولا يعيش في كواهويلا باسمٍ آخر. وكنت ترسل له المال أيضًا.
رفعت أمي رأسها ببطء. عيناها فارغتان.
كنت تعرف أين ابنتي طوال هذه السنوات؟
نظر إليها أخيرًا.
وبدل أن ينهار دافع عن نفسه.
فعلتُ ذلك من
أجلكنّ.
اختفى آخر احترام داخلي له.
لا تجرؤ.
بل أجرؤ!
 

تم نسخ الرابط