ربحت ٤٥٠ مليون دولار
في تمام الساعة التاسعة والثامنة والخمسين صباحًا، جعل هدير المحرّك النوافذ الزجاجية للمنزل ترتجف.
لم يكن صوتًا أنيقًا، بل كان صوتًا فظًّا، متعجرفًا، يستحيل تجاهله. وحشًا مصنوعًا من ألياف الكربون وملايين الدولارات، يعلن عن نفسه في شارعٍ سكني لم يكن يُرى فيه من قبل سوى سيارة مرسيدس مستأجرة أو مركبة حديثة خرجت من المعرض بدَين يمتد لسبع سنوات.
كنت أنا من يقود.
بوغاتي شيرون سوداء، بمقصورة داخلية بلون كونياك، ولوحات مؤقتة، ولمعانٍ كمرآة. لم تكن سيارتي الوحيدة، ولا الأكثر عملية لكنها كانت السيارة المناسبة تمامًا لتلك اللحظة.
انعطفت ببطء نحو مدخل المنزل، في اللحظة نفسها التي خرج فيها أبي إلى العشب برفقة اثنين من عملائه الحقيقيين، كما كان يسميهم. كان أحدهما مديرًا إقليميًا حاول إبهاره لسنوات، والآخر مستثمرًا صغيرًا ظل يطارده لأشهر من أجل عمولة لم تُنجز قط.
رآني أبي أولًا، ثم رأى السيارة، ثم عاد ونظر إليّ.
فتلاشى اللون من وجهه.
أما أمي، التي كانت تقف عند الباب الرئيسي تحمل صينية قهوة أعدّتها لتبدو المضيفة المثالية، فقد تجمّدت في مكانها. انزلقت الفنجان الخزفي من يدها وتحطم على الدرج. وظهر جايس خلفها، لا يزال يرتدي
أوقفت السيارة أمام المدخل، وأطفأت المحرك، وبقيت لحظة واضعًا يديّ على المقود، أستمتع بالصمت الذي اشتريته بثلاث سنوات من الصبر.
ثم نزلت.
كنت أرتدي بدلة رمادية داكنة مفصّلة على القياس، وساعة بسيطة لكنها أغلى من خزانة ملابس أبي كلها، وحذاءً إيطاليًا لا يصدر صوتًا حتى على الحصى. لم أحتج إلى أي استعراض؛ فالسيارة كانت تصرخ بما يكفي نيابة عني.
ضحك أحد العملاء ضحكة متوترة.
مالكوم تلك السيارة؟
فتح أبي فمه، لكن لم يخرج منه صوت.
أغلقت باب البوغاتي بضربة جافة، ونظرت نحو المنزل الذي كنت أنام في قبو رطب فيه، بينما كانت عائلتي تتقاضى مني الإيجار وكأنها تمنّ عليّ.
قلت بهدوء
جئت لأخذ صندوق جدي.
خرج صوتي هادئًا، يكاد يكون لطيفًا.
وكان ذلك بالضبط ما دمّرهم.
لأنني لم آتِ صارخًا. ولم آتِ لأتباهى. بل جئت كما لو أن ذلك المنزل الرخيص بزخارفه الزائفة وحديقته المتواضعة لم يكن سوى محطة عابرة في صباحي.
كانت أمي أول من استعاد وعيه.
لمن هذه السيارة؟
نظرت إليها.
لي.
نزع جايس نظارته ببطء.
لا تقل هراءً.
أدخلت يدي في جيب سترتي وأخرجت جهاز التحكم.
نظر أحد العملاء إلى أبي بنظرة امتزج فيها الفضول بالازدراء.
ظننت أنك قلت إن ابنك الأصغر يعمل عامل نظافة في إنتربيد تيك.
وكان كذلك، أجبت قبل أن يتمكن أبي من الكلام وكان يؤدي عمله على نحو ممتاز، بالمناسبة.
تقدم أبي خطوة نحوي، لا يزال مذهولًا.
ما الذي يحدث بحق السماء؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
ما يحدث عندما تخلط بين القيمة والمظهر لفترة طويلة.
حاولت أمي أن تستعيد توازنها فورًا. كانت تلك موهبتها. حتى لو كان المنزل يحترق، فإن أول ما ستفعله هو التأكد من أن عقدها يتناسب مع ألسنة اللهب.
كايرين، إذا كان هذا مجرد تصرف طفولي لإيذائنا بعد ما حدث البارحة، فهذا يكفي. أعد المفاتيح إلى من أعطاك السيارة وادخل. يمكننا أن نتحدث كعائلة.
عائلة.
كادت الكلمة أن تجعلني أضحك.
لا. لقد تحدثتم كعائلة البارحة. أنتِ رميتِ كعكتي في القمامة. أبي طردني من المنزل. جايس سخر مني بينما كان الجميع يضحكون. كانت الرسالة واضحة تمامًا.
عقد جايس ذراعيه.
حسنًا، إذن ماذا؟ هل أصبحت عشيقًا لأحد الأثرياء العجائز؟ لأن عامل النظافة لا يشتري
لم يُسكتْه أبي. لم يفعل ذلك أبدًا. كان هناك دائمًا متسع لمزيد من الإهانة إذا جاءت بالصوت المناسب.
نظرت إليه لحظة.
ما زلت أُعجب بثباتك يا جايس. حتى وأنت على حافة الانهيار، ما زلت تفضل السخرية على الذكاء.
قطّب أبي حاجبيه.
عمّ تتحدث؟
عندها قررت أن أستمتع بالأمر.
أخرجت هاتفي وفتحت تطبيقًا. ظهر شعار الصندوق الائتماني. ثم آخر. ثم آخر. أرصدة. هياكل مالية. استثمارات. أسماء شركات قرأ عنها أبي في مجلات اقتصادية وكان يظن أنها تنتمي إلى عالم آخر. لم أُقرب الهاتف بعد، بل تركته يحاول تخمين عدد الأصفار من بعيد.
قبل ثلاث سنوات ربحت اليانصيب، قلت.
أطلقت أمي صوتًا غريبًا، بين شهقة وصراخ.
تجمّد أبي في مكانه.
ورمش جايس.
كم؟
أربعمائة وخمسون مليونًا. وبعد الضرائب، بقي معي أكثر من مئتين وثمانين.
تمتم أحد العملاء بكلمة دهشة خافتة، لكنها سُمعت.
تراجع أبي خطوة على العشب المقصوص حديثًا. رأيته يحاول الحساب، يحاول التوفيق بين صورة الابن عامل النظافة وبين حجم المال الذي لن يلمسه في خمس حيوات. ثم نظر إليّ كما لو أنه فهم أخيرًا أن الحظ الذي عاشه في السنوات الأخيرة لم يكن حظًا أصلًا.
لا تمتم هذا غير منطقي.
بل منطقي جدًا. الوحيد
فتحت ملفًا آخر