خدمت حماتي ٣ سنين

لمحة نيوز

خدمت حماتي تلات سنين بعد ما جالها جلطة.. وفي عزومة أول يوم العيد، ولادها الكبار رموا قدامها لولي وغوايش دهب، ورموا لي أنا كيس بلاستيك قديم وقالوا لي: "إنتي أصلاً مش من العيلة".. روحت البيت وفتحته ولقيت جواه...

لمدة تلات سنين، كنت أنا اللي شايلة حماتي، "الحاجة هدى"، بعد ما جات لها الجلطة. جوزي "دانيال" كان شغله كله سفر نص الشهر بره، وإخواته الكبار، "محمود" و**"سامح"**، دايماً عندهم حجج تخليهم مبيساعدوش بمليم. محمود ساكن على بعد 40 دقيقة بس، بس كان بيقول إن شغله في الاستشارات "مستحيل" يسيبه. سامح كان ساكن أقرب منه، بس كل زيارة له كانت بتبقى 10 دقايق، يرمي بوكيه ورد وتوعيد بإن "المرة الجاية هيقعد أكتر" ويختفي. أنا اللي اتعلمت إزاي أسند "ماما هدى" من السرير للكرسي من غير ما أوجع كتفها. أنا اللي كنت حافظة مواعيد الأدوية، والدكاترة، وتمارين العلاج الطبيعي، ومكالمات التأمين، والضهرية الطويلة الصعبة لما كانت بتعيط من قهرتها إن جسمها مش بيطاوعها.

الحاجة هدى كانت ست شديدة وليها هيبة وبتمشي بيتها زي الساعة. بعد الجلطة، إيدها اليمين تقلت وكلامها بقى أبطأ، بس عقلها كان لسه صاحي وزي الفل. في السنين دي، بقيت حافظة كل تعبير على وشها: وشها وهي مكسوفة وأنا بغسل لها شعرها، وشها وهي معندة وعاوزة تحاول تقف كمان مرة، ووشها الحنين اللي كله امتنان وأنا بقرأ لها بعد العشا. مكنتش بتقول كلام رومانسي، بس لما دانيال يكون مسافر، كانت تضغط على إيدي

بإيدها السليمة قبل ما تنام.. دي كانت طريقتها عشان تقول لي "أنا حاسة بيكي".

بس في كل مناسبة، محمود وسامح كانوا بيمثلوا إنهم "الولاد البارين". ييجوا متشيكين، وشايلين سبت فاكهة غالي، ويتكلموا بصوت عالي عن "بر الوالدين" وأنا واقفة في المطبخ بسخن الشوربة أو بعدل الغطا لماما هدى. في "عزومة أول يوم العيد" دي، البيت كان مليان قرايب، وصواني شيك، وهدايا غالية، والضحكات الصفراء اللي الناس بتضحكها عشان "تتشاف" مش عشان "تحب". قدام الكل، محمود قدم لماما هدى "بروش" لولي، وسامح قدم لها غويشتين دهب، والكل قعد ينبهر بجمال الهدايا. وفجأة سامح لف وبص لي بابتسامة صفراء ورمى في حضني "كيس بلاستيك قديم ومكرمش".

قال لي قدامهم كلهم: "خدي.. إنتي أصلاً مش من العيلة، بس إنتي شكلك بتحبي تهتمي بالحاجات القديمة والمستعملة."

فيه ناس ضحكت بكسوف. دانيال اتسمّر مكانه ومبقاش عارف ينطق. وش ماما هدى اتغير تماماً. فضلت واقفة وماسكة الكيس القذر ده في إيدي والصالة كلها سكتت.. ولأول مرة من تلات سنين، حسيت إن فيه حاجة في العيلة دي انكسرت خلاص ومش هترجع تاني....

..أنا مديتش لـ "سامح" فرصة يشوف دموعي. مسكت الكيس البلاستيك المبهدل ده، وبصيت لـ "دانيال" جوزي اللي كان وشه جايب ألوان ومش عارف يلم الموقف، وبعدين بصيت لـ "ماما هدى". عينيها كانت مبرقة لـ "محمود" و"سامح" بنظرة غضب عمري ما شوفتها قبل كده، وإيدها السليمة كانت بتترعش وهي ماسكة البروش اللولي والدهب اللي رموه قدامها.


قلت بصوت ثابت: "كتر خيرك يا سامح.. الأصيل بيبان فعله، والدهب اللي إنت ورموده لماما هدى ميجيش ذرة في حنية إيدها عليا وأنا بخدمها."
سبت العزومة، وسبت الأكل، وخدت الكيس ده ورحت بيتي. "دانيال" حصلني وهو بيعتذر وبيحاول يبرر ندالة إخواته، بس أنا كنت قفلت خلاص. دخلت الأوضة، وفتحت الكيس البلاستيك القديم ده.. كنت فاكرة هلقى فيه لبس قديم أو "كراكيب" من بتاعة البيت زي ما سامح كان بيلمح بقلة ذوقه.
بس أول ما فتحته.. قلبي سقط في رجليا.
جوه الكيس البلاستيك "المكرمش"، كان فيه كيس تاني قطيفة أسود غالي جداً. وفتحت الكيس القطيفة، لقيت:
* طقم ألماس حر.. الطقم اللي "الحاجة هدى" كانت دايماً تقول إنه "مستخبي للغالية".
* مفتاح حديد قديم.
* ورقة مطبقة بعناية.. مكتوبة بخط إيد "ماما هدى" المهزوز بسبب الجلطة.
فتحت الورقة وقرأت:
> "يا بنتي اللي مخلفتهاش.. الولاد رموا لي دهب عشان يشتروا ذمتي قدام الناس، بس إنتي اشتريتي خاطري بقلبك وتعبك. الكيس ده فيه (مفتاح الخزنة) اللي في بيتي القديم.. الخزنة دي فيها عقود الأرض اللي في المنصورة، والأرض دي متسجلة باسمك (بيع وشراء) من سنة. الكيس البلاستيك ده أنا اللي اخترته عشان (الغالي) ميتشافش غير للي يستاهله.. والكلبشات اللي محمود وسامح فاكرين إنهم لسه بيملكوها، مكسورة من زمان بفضل حنيتك عليا. إنتي (بنتي) يا مريم.. وهما اللي أغراب عني."
اللحظة اللي "محمود وسامح" اتصدموا فيها
تاني يوم، كان فيه اجتماع "توزيع ميراث" صوري
محمود وسامح مرتبينه عشان يسيطروا على أملاك أمهم وهي لسه عايشة. دخلت أنا ودانيال ومعانا المحامي بتاع "ماما هدى".
محمود بص لي بقرف: "جاية ليه يا مريم؟ مش قلنا لك إنتي مش من العيلة؟"
رديت عليه ببرود وطلعت "عقود الأرض" وحطيتها على التربيزة: "فعلاً يا محمود.. أنا مش من العيلة اللي بتبيع وتشتري في بعضها.. أنا المالكة الوحيدة للأرض اللي إنت باني عليها (مشروعك الجديد) وواخد بضمانها قروض بالملايين."
سامح وشه بقى أزرق: "أرض إيه؟ دي أرض أمي!"
المحامي رد عليه: "كانت أرض والدتكم.. دلوقتي هي ملك للأستاذة مريم، وده عقد بيع نهائي ومسجل، وتوكيل عام بإدارة كافة أملاك الحاجة هدى."
محمود وسامح وقعوا على الكراسي من الصدمة. "ماما هدى" دخلت عليهم بالكرسي المتحرك وهي ساندة على إيدي، وبصت لهم وقالت ببطء بس بقوة:
"الدهب اللي جبتوه لي.. يرجع الصاغة تاني، لأنكم محتاجين الفلوس عشان تسددوا ديونكم.. مريم هي اللي وريتني إن (الخدمة) ملهاش تمن، وإن (الدم) ساعات بيبقى مية.. اخرجوا بره بيتي، ومشوفش وشكم هنا تاني."
النهاية اللي تبرد القلب
محمود وسامح خسروا كل حاجة، واضطروا يبيعوا شققهم عشان يسددوا ديون مشاريعهم اللي كانت قايمة على أرض "مريم". ودانيال اتعلم درس عمره إن مراته خط أحمر، وبقى شايلني فوق راسه.
أما أنا.. ففضلت مع "ماما هدى" لحد ما وقفت على رجليها تاني. والكيس البلاستيك القديم؟ لسه شايلاه.. عشان كل ما أبص له أفتكر إن "المظاهر كدابة"، وإن الكنوز الحقيقية
دايماً بتستخبى في أبسط الحاجات.

تمت

تم نسخ الرابط