أختفت سباحه أولمبية شابه
لم تتوقفا عن البحث، حتى لاحظ أن اليخت أصبح شبه خالٍ، حيث انشغل الطاقم بالكامل بالمواجهة أو نزلوا إلى الماء.
في تلك اللحظة، اتخذ قرارًا حاسمًا، وبدلًا من العودة إلى الأعماق، غيّر مساره وبدأ السباحة نحو اليخت بصمت وحذر شديد.
اقترب من مؤخرة السفينة، مستغلًا الفوضى، ثم تسلق منصة السباحة مستخدمًا خبرته الطويلة، وسحب جسده بصعوبة إلى سطح اليخت.
تدحرج على الأرض وهو يلهث، جسده يقطر ماءً، لكنه أجبر نفسه على النهوض سريعًا، مدفوعًا بهدف واحد لا يتغير.
تحرك منخفضًا على سطح السفينة، متجنبًا الظهور، باحثًا عن أي أداة قد تمنحه فرصة حقيقية لإنقاذ ميا من هذا الكابوس.
في منطقة تجهيز الغوص، وجد ما يحتاجه، رفًا لبنادق صيد الرماح، تركت على عجل، وكأن الطاقم غادر في حالة طوارئ.
أمسك بإحداها بسرعة، وفحصها ليتأكد من جاهزيتها، ثم أحكم قبضته عليها، مستعدًا للعودة إلى الماء ومواجهة الخطر.
لكن قبل أن يتحرك، سمع صوتًا حادًا خلفه، صوت تهيئة سلاح، جعل جسده يتجمد في مكانه فورًا.
جاءه صوت شاب متوتر، يأمره بعدم الحركة وترك السلاح، مهددًا بإطلاق النار إذا لم يستجب فورًا.
استدار جاك ببطء، ليجد نفسه أمام شاب في العشرينات، ملامحه مألوفة، عيناه محمرتان، وزجاجة خمر في يده الأخرى.
تعرف عليه فورًا، إنه مارتن، نفس الشاب الذي ظهر في تسجيل الكاميرا قبل سنوات، يقف الآن أمامه بسلاح حقيقي.
تحدث جاك بصوت منخفض يحمل تهديدًا واضحًا، معلنًا أنه والد ميا، وأنه جاء ليعيد ابنته مهما كلف الأمر.
ترنح مارتن قليلًا، متأثرًا بالكحول، ثم تمتم بأنه يعرفه، الرجل الذي كانت ميا تتحدث عنه دائمًا أثناء احتجازها.
طالب جاك بإجابات، سائلاً لماذا فعلوا ذلك، بينما أبقى سلاحه منخفضًا لكنه مستعد لأي حركة مفاجئة من الطرف الآخر.
أخذ مارتن رشفة من الزجاجة، ثم تحدث بنبرة مشوشة، مدعيًا أنهم يمنحون الفتيات مستقبلًا أفضل ويعدونهن للمنافسة في الأولمبياد.
سخر جاك بمرارة، مشيرًا إلى أن ذلك لا يبرر اختطافهن واحتجازهن لسنوات، بينما ازدادت قبضته قوة على السلاح.
حذر مارتن من الاقتراب، رافعًا مسدسه، ثم أضاف أنه لم يؤذِ الفتيات بنفسه، لأنه لم يُسمح له بذلك من الأساس.
تغيرت ملامحه، وظهر الغضب في عينيه، ليكشف أن كل ما يحدث ليس من قراره، بل من أوامر شخص آخر أكثر نفوذًا.
تجمد جاك عندما ذكر مارتن أن الأمر يتعلق بوالده، وأنه كان يساعده فقط في تحقيق رغباته المظلمة.
أوضح أن والده لديه هوس بالرياضيات الشابات، وأنه يرى فيهن شيئًا يريده بشدة، مستعدًا لفعل أي شيء للحصول عليه.
انخفض صوته وهو يهمس بأن والده قادر على جعل الفتيات ناجحات، إذا خضعن لما يُطلب منهن دون مقاومة.
رفع جاك بندقية الصيد قليلًا، محذرًا
وفجأة، قطع صوت حاد التوتر المشهد، صوت رجل آخر يطالب مارتن بالتوقف، بنبرة تحمل غضبًا وسلطة واضحة.
ظهر رجل مسن على سطح السفينة، يرتدي ملابس أنيقة، يحمل مسدسًا بثبات، ويوجه نظره مباشرة نحو جاك.
كان الشبه بينه وبين مارتن واضحًا، نفس الملامح، لكن وجهه كان قاسيًا، يحمل آثار سنوات من السيطرة والقسوة.
وقف بثقة، سلاحه موجه بدقة، وكأن وجود جاك لم يكن مفاجأة، بل مجرد مشكلة صغيرة يجب التخلص منها فورًا.
وفي تلك اللحظة، أدرك جاك أنه يقف وجهًا لوجه مع العقل المدبر، الرجل الذي يقف خلف اختفاء ميا وكل ما حدث بعدها.
سأطلق النار عليك بنفسي، صرخ الرجل بغضب قاتل، واضحًا أنه والد مارتن، وعيناه مليئتان بالقسوة وهو يوجه تهديده المباشر إلى جاك.
ثم أدار رأسه نحو مارتن، ونظر إليه بازدراء واضح، وكأنه يرى أمامه عبئًا ثقيلًا وليس ابنًا يمكن الاعتماد عليه.
قال بحدة اعترف الآن يا فتى. أنت من تحدث مع الشرطة. لهذا السبب يراقبوننا. كنت دائمًا نقطة الضعف في كل شيء.
احتج مارتن فجأة بصوت مهزوز طفولي لم أخبر الشرطة عن والد الفتاة. أقسم لك، لم أكن أنا، لم أفعل ذلك.
قاطعه والده بقسوة اصمت. بالطبع أنت من فعلها. لطالما كنت ضعيفًا، ومترددًا، ودائم الشك في كل ما نقوم به.
تابع بازدراء أكبر كنت دائمًا تنظر إليهن بطريقة مختلفة. لا أحد غيرك كان سيتكلم. أنت السبب في كل ما يحدث الآن.
وبينما احتدم الجدال بينهما، بدأ جاك بهدوء شديد في تعديل قبضته على بندقية الرمح، مستعدًا للحظة الحاسمة.
أصر مارتن مرة أخرى، ووجهه محمر من الكحول والانفعال لم أقل شيئًا. أقسم بذلك. لم أخن أحدًا.
حول الرجل انتباهه بالكامل إلى جاك، وقال ببرود قاتل لا يهم الآن. أنت والد تلك الفتاة، أليس كذلك؟ بحثك انتهى هنا.
رفع مسدسه بثبات، موجّهًا إياه مباشرة نحو رأس جاك، دون أي تردد، وكأنه ينهي أمرًا بسيطًا طال انتظاره.
وأضاف بثقة قاسية لقد بنيت كل شيء بيدي. لن أسمح لرجل مثلك أن يدمره فجأة بعد كل هذه السنوات.
في تلك اللحظة، دوّى صوت إطلاق نار مزدوج، حدث كل شيء بسرعة صادمة، دون فرصة لأي تفكير أو رد فعل.
أطلق مارتن رصاصته نحو والده، فأصابته مباشرة في رأسه، بينما في نفس اللحظة أطلق جاك رمحه في محاولة لإيقافه.
لكن الرمح انحرف بشكل عشوائي لعدم وجود مقاومة الماء، فابتعد عن هدفه واستقر بقوة في كتف مارتن بدلًا من إصابة والده.
سقط الرجل العجوز أرضًا بلا حركة، والدماء تتجمع تحته، بينما تجمد مارتن في مكانه، غير مستوعب لما حدث للتو.
ظل ممسكًا بالسلاح بيد مرتجفة، وعيناه مثبتتان على جثة والده، فارغتان من أي تعبير أو إدراك حقيقي لما حدث.
بدأ الألم ينتشر في كتفه ببطء، لكنه لم يتحرك، وكأن جسده فقد القدرة على الاستجابة أو حتى الإحساس الكامل.
تنفس بصعوبة، كل نفس يخرج مصحوبًا بوخزة حادة، بينما الزمن بدا وكأنه توقف حوله في تلك اللحظة الثقيلة.
بعد صمت طويل، رفع الزجاجة إلى شفتيه، وشرب منها، وكأنه يحاول الهروب من واقع لا يستطيع تحمله أو استيعابه.
تمتم بصوت خافت بالكاد يُسمع أنا أكرهك يا غرانت، كلمات خرجت محملة بسنوات من الألم والغضب المكبوت.
فجأة، شعر جاك بألم حاد يخترق ساقه، نظر إلى الأسفل ليدرك أن غرانت أطلق رصاصة أخيرة قبل أن يسقط.
كان الدم يتدفق من فخذه بغزارة، لكنه لم يتوقف، بل استغل اللحظة وقفز من اليخت عائدًا إلى الماء رغم إصابته.
سبح بصعوبة شديدة، الألم ينهش جسده مع كل حركة، لكنه واصل التقدم مدفوعًا بإصرار لا يمكن كسره.
تحت الماء، استمر القتال، غواصو الشرطة يشتبكون مع الخاطفين، محاولين تحرير النساء المقيدات وسط الفوضى.
وسط الفقاعات والمياه المتلاطمة، لمح جاك ميا، ما زالت تقاوم الرجل الذي يحتجزها بكل ما تبقى لديها من قوة.
جمع آخر ما لديه من طاقة، واندفع نحوها، غير مبالٍ بالألم أو الدم الذي ينساب خلفه في الماء.
لاحظ الخاطف اقترابه، فرفع بندقية صيد استعدادًا لإطلاق النار، بينما جاك لم يكن يملك سوى عزيمته.
في اللحظة الحاسمة، تدخل غواص من الشرطة من الخلف، وأمسك بذراع الخاطف لحظة إطلاقه، فانحرف السهم بعيدًا عن جاك.
وصل جاك إلى ميا، وبحركة حاسمة، انتزع منظم التنفس من فم الخاطف، مما أدخله في حالة ذعر فورية.
استغلوا تلك اللحظة، وتمكن جاك والغواص من السيطرة عليه، بينما قام الضابط بقطع الأصفاد التي كانت تربط ميا به.
تحررت ميا أخيرًا بعد أربع سنوات طويلة، لحظة بدت وكأنها حلم مستحيل، لكنها تحققت أخيرًا أمام أعينهم.
بدأ وعي جاك يتلاشى تدريجيًا، النزيف والإرهاق يسلبانه قوته، بينما آخر ما رآه كان وجه ميا المذهول.
كانت تنظر إليه بصدمة، وعيناها مليئتان بالدموع، تمد يدها نحوه تحت الماء وكأنها تحاول الإمساك به.
استيقظ جاك على صوت أجهزة طبية منتظمة واهتزاز خفيف، ليجد نفسه على نقالة داخل قارب إنقاذ.
كان المسعفون يعملون بسرعة، يضغطون على جرحه، بينما أحدهم يعلن أنه استعاد وعيه ويحتاج إلى تدخل عاجل.
حاول جاك النهوض رغم الألم، وصوته خرج مبحوحًا وهو يسأل عن ميا، غير قادر على التفكير في أي شيء آخر.
جاءه الصوت الذي انتظره لسنوات أبي، أنا هنا، صوت حي أنهى سنوات من الألم في لحظة واحدة.
ظهرت ميا بجانبه، متعبة لكنها حية، تمسك بيده بقوة، وكأنها تخشى أن تفقده مرة أخرى.
همس بصعوبة أنتِ بأمان الآن، بينما انهارت بالبكاء، تؤكد أنه وجدها أخيرًا بعد كل هذا الوقت.
تدخل المسعفون
في الجوار، أكد الضباط أن العملية انتهت، بعض الخاطفين قُتلوا، والبقية تم القبض عليهم، ومن بينهم مارتن.
وصل المحقق مورغان، ونظر إلى جاك بإعجاب ممزوج بالدهشة، واصفًا ما فعله بأنه بين الشجاعة المطلقة والجنون.
ابتسم جاك ابتسامة ضعيفة، وسأل إن كانوا قد أنهوا كل شيء، ليتلقى تأكيدًا بأن العملية نجحت.
كشف مورغان أن غرانت ويتمور هو العقل المدبر، رجل استغل شركاته لتغطية جرائم استهدفت رياضيات لسنوات.
عندما سُئلت ميا، بدأت تروي قصتها، كيف بدأ كل شيء عند العوامة، وكيف خدعها مارتن حتى صعدت معه.
توقفت للحظة، ثم أكملت بصوت متماسك، موضحة كيف تم تخديرها ونقلها إلى مكان احتجاز مغلق.
أشارت إلى المرأتين الأخريين، موضحة أنهما كانتا معها طوال فترة الاحتجاز داخل ذلك المكان المعزول.
قالت إن ويتمور عرض عليها تحقيق حلمها، مقابل الطاعة، وعندما رفضت، بدأ بتهديد والدها بشكل مباشر.
أنهت حديثها بصوت مرتجف قال إنه سيدمر كل شيء عملك، منزلنا، وحتى حياتك، إذا لم أستسلم له
شعر جاك بالغثيان من شدة الغضب، لكنه أخفاه من أجل ميا.
قالت بصوتٍ خافت، وكأنها تعود إلى ذلك المكان المظلم
لذا توقفت عن المقاومة على الأقل في الظاهر. كنا نتدرب كل يوم في البحيرة داخل أرضه. تحت المراقبة طوال الوقت. كانوا يُبقوننا أقوياء ليس لأجلنا، بل لأجل ما يريدونه.
سكتت لحظة، ثم أضافت
آنا وليلي كانتا هناك قبلي حذرتاني من الهرب. فتاتان حاولتا قبلاً ولم تعودا أبدًا.
ساد صمت ثقيل. لم يحتج أحد لتفسير ما حدث لهما.
تابعت ميا، وعيناها شاردتان
اليوم كانوا خائفين. قالوا إن أحدهم تكلّم. غرانت ظن أن مارتن هو السبب. كان التوتر بينهم واضحًا لذلك قرر نقلنا.
شدّ جاك على يدها دون أن ينطق.
قال المحقق مورغان بهدوء
انتهى الأمر الآن. أنتم بأمان.
لكن جاك كان يعلم أن بعض الأشياء لا تنتهي بهذه البساطة.
اقترب القارب من الميناء. أضواء سيارات الإسعاف كانت تومض كأنها تعلن نهاية شيء وبداية شيء آخر.
نُقل جاك إلى النقالة بسرعة. تمسكت ميا بيده.
قالت بصوت مكسور
كان لازم أكون أقوى كان لازم أهرب.
ابتسم جاك رغم الألم
أنتِ نجوتِ وده كل اللي يهم.
ثم أضاف بصوت أهدأ
ومن حسن الحظ إنك نسيتي الكاميرا.
اهتزت شفتاها، وامتلأت عيناها بالدموع.
أحبك يا أبي.
وأنا لم أتوقف عن البحث عنكِ يومًا.
أُغلقت أبواب سيارة الإسعاف.
ومن الداخل رأى جاك ميا واقفة على الرصيف.
ضعيفة نعم.
لكنها لم تنكسر.
داخل السيارة، ومع تلاشي الوعي، لم يفكر جاك في الألم
ولا في الدم
ولا حتى في الرصاص.
فكر في شيء واحد فقط
أنه، بعد أربع سنوات من الظلام
عاد النور.
لكن الحقيقة
أن
العدو كان على اليابسة.
ومع ذلك
هو نفس البحر
الذي أعادها إليه.