ضحت بشبابها عشان اخوات جوزها
جمعة دخل الكلام وهو بيقرب منها:
"أنا نقلت شغلي هنا قريب، وهفتح فرع جديد… عشان أبقى جنبك."
وبليغ قال بابتسامة وهو ماسك إيدها:
"وأنا رجعت مصر خلاص… مش هسافر تاني غير بإذنك."
صباح سكتت شوية، وبعدين ابتسمت ابتسامة فيها رضا، لكن فيها حاجة تانية… حاجة أعمق. قالت:
"أنا مش زعلانة منكم… ولا عمري زعلت. بس أنا خوفت عليكم أكتر ما زعلت منكم."
الثلاثة بصوا لبعض باستغراب، فسألتهم:
"عارفين ليه؟"
وسكتت لحظة وبعدين كملت:
"عشان اللي ينسى أصله… الدنيا بتنساه. وأنا كنت خايفة عليكم من اليوم ده."
الكلام نزل عليهم تقيل… تقيل أوي.
رضا قعد على الأرض قدامها، وقال بصوت واطي:
"إحنا غلطنا… وغلطنا كبير. بس إدينا فرصة نصلح."
ومن اليوم ده، بدأت حياة جديدة… بس مش سهلة زي ما الناس متخيلة.
أول أسبوع، كانوا حوالين صباح ليل نهار. ضحك، أكل، حكايات عن الماضي، وأحفاد بيجروا في البيت وينادوا "تيتا صباح". قلبها
لاحظت إن كل واحد فيهم جاي بعالمه… رضا شغله وضغطه، جمعة حساباته ومشاريعه، وبليغ مرضاه ومسؤولياته. كانوا بيحاولوا، فعلاً بيحاولوا، لكن الحياة كانت بتشدهم تاني.
وفي يوم، وهي قاعدة لوحدها في البلكونة، سمعت حفيد صغير بينادي:
"بابا… إحنا هنمشي إمتى؟ أنا زهقت."
الكلمة خبطت جواها… نفس الإحساس القديم رجع، نفس الوحدة اللي كانت بتستخبى ورا الصبر.
لكن المرة دي، صباح كانت اتعلمت.
تاني يوم، جمعتهم كلهم، وقالت بهدوء:
"أنا عايزة أرجع بيتي."
سكتوا كلهم، ورضا قال بسرعة:
"إزاي يعني؟ ده بيتك هنا!"
هزت راسها وقالت:
"البيت مش بالحجر… البيت بالونس. وأنا ونسى هناك… في الحارة، في مكاني، في ماكينة الخياطة اللي عاشت معايا عمري كله."
جمعة حاول يقاطعها، لكنها كملت:
"إنتوا جيتوا وده أكبر جبر خاطر في الدنيا… بس أنا
بليغ عينيه دمعت:
"إنتي مش حمل يا أمي… إنتي الروح."
ابتسمت وربتت على إيده:
"يبقى خلي الروح حرة… متحبسوهاش في مكان مش بتاعها."
وبالفعل، بعد نقاش طويل، وافقوا… بس بشرط: إنهم يفضلوا على تواصل، ويزوروها دايمًا.
رجعت صباح بيتها القديم… بس المرة دي مش بنفس الشكل.
الشارع كله كان مستنيها، والناس اللي كانت بتتكلم زمان، بقت هي نفسها اللي بتجري تساعدها. واحدة تجيب لها أكل، واحدة تسأل عليها، وعيال صغيرة تناديها "تيتا صباح".
والمفاجأة الأكبر؟
إن صباح قررت تفتح أوضة في بيتها… وتعلم البنات اليتامى الخياطة.
قالت:
"زي ما ربنا رزقني بفرصة أقف على رجلي… أنا عايزة أدي الفرصة لغيري."
وبقى بيتها منور تاني… صوت الماكينة رجع، وضحك البنات، وحكاياتهم، وأحلامهم الصغيرة.
أما إخوات عشري… فالمرة دي فعلاً اتغيروا.
بقوا يجوا كل أسبوع، مش مجاملة… لكن
رضا بقى يقعد بالساعات يحكيلها عن شغله، وياخد رأيها.
جمعة بقى يصمم يعمل لها حساب خاص، ويقول لها: "ده تعبك… مش منة مننا."
وبليغ كان كل ما يشوف حالة تعبانة يقول في سره: "يا رب أقدر أكون زيها في الرحمة."
وفي يوم، الحارة كلها اتجمعت تاني… بس المرة دي مش عشان كلام… عشان تكريم.
جمعية خيرية كبيرة سمعت عن قصة صباح، وعن البنات اللي بتعلمهم، وقررت تكرمها قدام الناس كلها.
وقفت صباح على المسرح، بسيطة زي ما هي، لابسة جلابيتها النضيفة، وإيدها فيها آثار سنين الشغل.
مسكت الميكروفون، وقالت جملة واحدة بس:
"أنا معملتش حاجة… أنا بس خفت على الأمانة."
وساعتها، كل اللي كان حاضر فهم… إن في ناس عادية جدًا… بس قيمتها عند ربنا كبيرة أوي.
وفي آخر اليوم، وهي راجعة بيتها، وقفت قدام الباب، نفس المكان اللي وقفت فيه زمان وهي لوحدها…
لكن المرة دي، كان وراها حياة كاملة… ناس بتحبها، قلوب بتدعي لها، وأثر عمره
ابتسمت وقالت لنفسها:
"اللي يزرع خير… عمره ما يخسر."
تمت
الهواري