ضحت بشبابها عشان اخوات جوزها
من عشرين سنة، حياة "صباح" اتقلبت رأسًا على عقب في يوم واحد، يوم ما رجع خبر موت جوزها "عشري" في حادثة شغل وهو غريب بيجري ورا لقمة العيش في بلاد بره. كانت لسه في عز شبابها، عندها خمسة وعشرين سنة، وشها مليان نور، وقلبها مليان أحلام بسيطة: بيت هادي، ضحكة طفل، وكتف راجل يسندها. لكن بدل كل ده، لقت نفسها واقفة لوحدها قدام الدنيا، ومعاها تلاتة عيال مش عيالها… إخوات جوزها الصغيرين، اللي مالهمش حد بعده غيرها.
يومها، البيت كان مليان ناس، عياط وزعيق وكلام كتير، بس وسط كل ده كان في نظرات بتتقال من غير صوت. نظرات بتقول: "دي صغيرة… مش هتستحمل". وبعد العزا بكام يوم، لما كل واحد بدأ يرجع لحياته، ظهرت الحقيقة القاسية: محدش عايز يشيل التلاتة. كل واحد عنده ظروفه، وكل واحد شايف إن الحمل تقيل. ساعتها، بصت صباح للصبيان التلاتة، كانوا واقفين ورا بعض، خايفين، تايهين، ومش فاهمين الدنيا راحت بيهم على فين.
الكبير "رضا" كان عنده 12 سنة، ساكت ومكابر، بس عينه مليانة دموع محبوسة. "جمعة" اللي أصغر منه بشوية كان عصبي وبيزعق في أي حد يقرب، أما الصغير "بليغ" فكان لسه طفل، كل شوية يسأل: "هو بابا مش هيرجع؟".
في اللحظة دي، صباح حسّت إن قلبها اتشد لهم، كأنهم أولادها بجد. ولما قرايب جوزها قعدوا يتكلموا في الميراث، وقالوا لها بمنتهى القسوة: "سيبيهم يا بنتي… كل واحد يشيل نفسه، إنتي لسه صغيرة، شوفي
الكلمة دي كانت بداية طريق طويل… طريق كله تعب ودموع وصبر.
اشتغلت صباح أكتر من الأول، بقت تروح المشغل من بدري، وترجع متأخر، وبالليل تقعد تخيط للناس في البيت. إيدها كانت بتوجعها، وظهرها بيتكسر، بس كانت بتقول لنفسها: "دول أمانة… وربنا مش هيسيبني". كانت تصحى الفجر تعمل لهم فطار، تجهزهم للمدرسة، وتفضل مستنياهم يرجعوا عشان تطمن عليهم، وتذاكر لهم، وتسمع مشاكلهم.
مرت السنين، وكل واحد فيهم بدأ يكبر ويتغير. "رضا" بقى شاب هادي وعاقل، بيحب المذاكرة، وكانت دايمًا تشجعه وتقول له: "إنت هتبقى حاجة كبيرة يا رضا". "جمعة" دخل في سكة الشغل بدري، وكان دماغه في التجارة، وهي وقفت جنبه، حتى لو اضطرت تستلف. أما "بليغ"، فكان حلمه يبقى دكتور، وكانت بتبص له وتبتسم، وتقول: "أنا هفرح بيك أوي يا دكتور".
لكن الطريق مكنش سهل. أيام كتير كانوا بيناموا من غير عشا، وأيام تانية كانت بتبيع من حاجتها عشان تدفع مصاريف المدارس والدروس. كانت لما المطر ينزل من سقف البيت القديم، تقوم في نص الليل تحط جردل هنا وطبق هنا، وتغطيهم كويس، وتسيب نفسها للبرد.
كبروا… وفعلاً كل واحد حقق حلمه. "رضا" دخل هندسة واتخرج بتفوق، واشتغل في شركة كبيرة. "جمعة" فتح مشروعه ونجح فيه، وبقى عنده اسم في السوق. "بليغ" سافر
وفي اللحظة اللي كانت مستنياها طول عمرها… لحظة الفخر… كانت مستنية كمان حاجة تانية: إنهم يفضلوا جنبها.
في الأول، كانوا بيكلموها كل يوم. "إزيك يا أبلة صباح؟ محتاجة حاجة؟". وكانت بتفرح بالصوت أكتر من أي حاجة. لكن مع الوقت، المكالمات قلت… وبعدين بقت كل أسبوع… وبعدين كل شهر… لحد ما بقت نادرة.
واحدة واحدة، البيت سكت. الضحك اختفى. الأوضة اللي كانت مليانة حياة بقت فاضية. صباح بقت تقعد لوحدها، تمسك صورة قديمة ليهم وهم صغيرين، وتبتسم بحزن.
الحارة ما سكتتش. كلامهم كان جارح: "مش قلنا لك؟"، "أهو رموكي"، "ضيعتي عمرك على الفاضي". لكنها كانت بترد بابتسامة ضعيفة وتقول: "ربنا يهديهم".
مرت سنين تانية… وهي زي ما هي. بتشتغل، بتصلي، وبتدعي لهم.
لحد اليوم اللي غير كل حاجة.
في صباح يوم عادي، خرجت تكنس قدام البيت، زي عادتها كل يوم. فتحت الباب، ولسه هتحط المقشة على الأرض… وقفت فجأة. عينيها وسعت، وإيدها اترعشت.
كان في عربيات واقفة قدام البيت… مش عربية ولا اتنين… لأ، صف كامل، عربيات فخمة مالية الشارع. والناس بدأت تطلع في البلكونات، والهمهمة زادت.
وبعدين نزلوا…
نزل "رضا" الأول، ببدلة شيك، وشعره فيه شوية شَيب خفيف. وراه "جمعة"، وبعدين "بليغ"… لابس بالطو دكتور. ووراهم عيال صغيرة… وأصوات ستات… وأحفاد.
صباح كانت واقفة مش قادرة تتحرك. قلبها بيدق بسرعة، ومش عارفة
قربوا منها… و"رضا" مسك إيدها وباسها وقال بصوت مكسور: "سامحينا يا أمنا… إحنا ضيعنا نفسنا لما بعدنا عنك".
انفجرت في العياط… مش عياط زعل، لكن عياط سنين متخزنة.
"جمعة" قال: "كل اللي إحنا فيه ده منك… وإحنا نسينا الأصل".
"بليغ" حضنها وقال: "أنا كل يوم بقول لمرضاي إن في ملايكة على الأرض… وأنا عارف إن الملاك الحقيقي هي إنتي".
ودخلوها العربية… وودوها على بيت كبير… في مكان راقي… وقالوا لها: "ده بيتك… وإحنا كلنا هنكون حواليكي".
لكن صباح، وهي واقفة تبص لهم، ابتسمت نفس الابتسامة الهادية اللي عمرها ما سابتها، وقالت: "أنا مش عايزة غير حاجة واحدة… تفضلوا إخوات… وتفضلوا فاكرين إن الأصل عمره ما بيروح".
وفي اليوم ده… الحارة كلها سكتت. مش بس سكتت… دي اتعلمت درس عمرها ما هتنساه: إن الطيبة عمرها ما بتضيع… حتى لو اتأخرت، لكنها دايمًا بترجع… وبترد الدين أضعاف.
بعد ما دموع الفرحة هدِت شوية، وصباح قعدت على الكنبة في البيت الجديد وهي لسه مش مصدقة إن كل ده بيحصل، بدأت تبص حواليها ببطء… حيطان نضيفة، نور داخل من الشبابيك، ريحة بيت “متشطب جديد”، وكل حاجة بتلمع… بس جواها كان في إحساس غريب، إحساس إنها مش بتاعتها، أو يمكن هي اللي بقت مش بتاعة المكان.
بصت لرضا وقالت بهدوء:
"هو أنا هقعد هنا لوحدي؟"
رضا اتلخبط، وقال بسرعة:
"لوحدك إيه يا أمي؟ إحنا كلنا معاكي… أنا واخواتي