بعد ٢٦ سنه جواز

لمحة نيوز

الراجل اللي سابني بعد 26 سنة رجع يخبط على بابي تاني.. بس اللي فتحتله الباب واحدة تانية و ده اللي خلاه يغرق في دموعه. بقلم منال علي 
أول شتاء عدى عليا بعد ما سامي سابني مكنش مجرد فصل من فصول السنة، كان أقرب لامتحان صعب.
بقيت أتعلم بسرعة إن السكوت له وزن.. بيتقل في كراسي الصالون، ويتمشى في الطرقة وقت الغروب، ويلف حوالين رجلي وأنا صاحية قبل الفجر وأكتشف إن البيت مفيش فيه حد غيري. أول كام أسبوع، كنت لسه بمد إيدي أعمل كوبايتين قهوة، ولسه بقف في السوق محتارة: "سامي كان بيحب الصلصة الخضراء ولا الحمراء؟".
لحد ما في صباح يوم، وأنا واقفة قدام المراية، ماسكة فرشاة الشعر في إيد والبلوزة نص زراير في الإيد التانية، سمعت صوتي طالع بثبات خلاني أستغرب نفسي:
"من النهاردة، أنا هعيش لنفسي".
الجملة مكنتش زي البرق، جت بهدوء زي أول نَفَس نضيف بعد عياط كتير. زررت البلوزة، حطيت روج، ورصيت السفرة بأحسن طقم صيني عندي. مش عشان حد جاي، ولا عشان حد هيمدح في ذوقي، عملت كدة لأني اكتشفت إن الكرامة مش "شو" قدام الناس، دي طوق النجاة متوفره على روايات واقتباسات 
ولادي مكنوش عارفين يتعاملوا إزاي مع "مروة الجديدة". أحمد ابني كان بيتصل كتير في الأول، صوته مليان غضب مرتبك، عايز يكره أبوه عشاني، بس هو كمان بقى أب، وده خلاه حذر بطريقة بيحسدني عليها. أما بنتي نور، فعيطت بحرقة أول ما زارتني بعد الطلاق، واقفة في نفس المطبخ

اللي كانت بتذاكر فيه وهي صغيرة وأنا بطبخ المحشي وبصحح كراسات مدرستي.
قالت بدموع: "مش مصدقة إنه عمل كدة".
رديت بصوت هادي لأقصى درجة: "صدقي يا نور، وكملي عيشتك".
وبقت دي "قاعدة البيت". لا مسامحة، ولا إنكار.. بس "بقاء".

بقلم منــال عـلـي 
الناس في المنطقة بقوا بيبصولي بعيون تانيه خالص. في الجامع، الستات بيوطوا صوتهم لما بعدي. وفي الفرن، الرجالة اللي مكنوش بيشوفوني وأنا ست متجوزة، فجأة بقوا بيفتحوا لي الباب. حتى صحابي القدام بيتصلوا بحجة "يطمنوا"، وهم نصهم مستنيين يحكوا لأي حد إني منهارة.
بس أنا مكنتش بديهم أي فرصة.
حافظت على روتيني؛ بصحى بدري، أفرش السرير، أرسم كحلي بتمكن، وألبس هدوم مهندمة حتى لو هسقي زرع البلكونة. كنت بدخل الجمال للبيت بطرق عنيدة: ورد بلدي، مفارش مطرزة، ستائر جديدة، وطبق فاكهة ملون على الرخامة يلمع زي التحدي. في الأول كان الموضوع تمثيل، بس مع الوقت، التمثيل بقى هو الحقيقة.
الذكريات رجعتلي حتة حتة.. أول ما شفت سامي في الجامعة، ضحكته لما لقى اسمه في النتيجة، إزاي مسك إيدي بعد ما اتجوزنا.. كنا صغيرين ومفلسين، بس كان عندنا أمل يهد جبال. بنينا حياتنا بالحب.. بالطريقة البلدي، "بالإيد". وعشان كدة الخيانة كانت واجعة؛ مش بس عشان حب واحدة تانية، لكن عشان ساب سنين من الشقا والعشرة كأنه بيقلع قميص قدم ومعدش عايزه.
شهور بعد الطلاق، سامي كان بيبعت رسايل ملهاش معنى. يسأل شجرة الليمون

طرحت ولا لأ؟ حاجات تافهة كأنها طلبات لواحد بيدور على "تاريخه" اللي ضيعه. كنت برد بس في المهم، والباقي بسيبه في "السين" من غير رد.
"ياسمين" بقت هي حديث المنطقة.. ستات الحتة بيبصولها بنظرة "الست اللي خطفت"، والرجالة شايفين سامي بقى شكله غريب، كأنه لبس هدوم مش مقاسه. أنا مكنتش بسأل، بس الأخبار كانت بتيجي لوحدها.. دي ضريبة العيشة في حتة شعبية.
نقطة التحول كانت يوم تلات، لما جارتي "فاطمة" -ست رغاية بس قلبها طيب- قعدت معايا وقالتلي: "يا مروة يا حبيبتي، أنتِ بتضيعي نفسك في الحزن". فاطمة حكتلي عن جمعية خيرية في الحي محتاجة حد ينظم ورش تعليم كبار. رحت، ومن أول يوم شميت فيه ريحة الطباشير والكتب القديمة، حسيت إني رجعت لروحي.
بعد سنتين، مروة بقت "مروة التانية". الستات بطلوا يشفقوا عليا وبقوا بيحترموا قوتي. اشتغلت في مبادرات مجتمعية، وبقيت اسم مسموع. وفي عز ما أنا في قمة نجاحي، ظهر "عماد". مهندس معماري، أرمل، قلبه طيب ومريح. عرفته لما جيه يشرف على تجديد المركز. عماد كان زي "الهدنة" بعد حرب طويلة. حبه كان هادي، مش نار بتلسع، لا، كان دفا بيطمن. ولادي حبوه، وأحمد ابني لقى في عماد "الجدعنة" اللي فقدها في أبوه.
في الوقت اللي كنت بسترد فيه حياتي، سامي كان بيقع. الحياة مع ياسمين مكنتش الورد اللي كان متخيله. الفلوس خلصت، المشاكل زادت، وياسمين سابته وسافرت.
يوم خميس، والمطر نازل يغسل شوارع الحي، خبط الباب.
فتحت.
. لقيت سامي. ملامحه عجوزة زيادة 20 سنة، وشه أصفر، ومبهدل. بصيتله.. مكنش في قلبي لا فرح بشماتة، ولا حقد. كان في "مسافة".
قال بصوت مخنوق: "مروة.. أنا عارف ماليش حق".
بصيت للبيت من ورا ضهره.. البيت اللي بقى فيه دفا وكتب وورد، وحياة هو مكنش جزء منها.
قال: "محتاج أتكلم دقيقتين بس".
فتحت الباب على آخره، مش عشان يدخل يرجع، بس عشان يشوف الفرق. دخل وقعد في الصالون، بص حواليه وشاف قد إيه البيت بقى فيه حياة من غيره، شاف صوري وأنا بشتغل، وشاف نضوجي اللي مكنش يعرفه.
بصلي وقال بدموع: "أنا خسرت كل حاجة.. خسرتك أنتِ، وخسرت نفسي".
رديت عليه بصوت هادي: "خسرت اللي أنت اخترته يا سامي، مش اللي أنا كنت عليه".
سكت شوية، ورجعت قولتله: "أنا فتحتلك الباب مش عشان نصلح اللي اتكسر، ده خلاص بقى أثر في الحيطة. أنا فتحته عشان أقولك إن مروة اللي سيبتها، ماتت من زمان، والست اللي واقفة قدامك دي، مفيش فيها مكان ليك. روح يا سامي، كمل طريقك لوحدك، زي ما اخترت يوم ما مشيت. أنا لقيت نفسي لما فقدتك، ومش ناوية أخسر نفسي تاني عشان خاطر ذكريات مبقتش توجعني".
مشيت وسبته في الصالون، ودخلت غرفتي، قفلت الباب ورايا، وسمعت صوت خروجه من البيت.. صوت خطواته كانت بتأكد لي إن الباب اللي اتقفل ده، كان أجدع حاجة عملتها في حياتي. قعدت على مكتبي، كملت شغلي، وأنا حاسة بسلام، لأول مرة، مفيش "سامي" في عقلي، مفيش "خسارة" في قلبي، فيه بس "مروة"

 اللي

أنا فخورة

 إني بقيتها.

تمت 

تم نسخ الرابط