قصه بقلم أماني سيد

لمحة نيوز

خمس سنين كاملة كانت “سجده” عايشة في بيت العيلة كأنها خادمة مش زوجة. كانت بتصحى قبل الكل بساعة، تجهز الفطار، تغسل المواعين، تلم البيت، تساعد حماتها، وتخدم بناتها لما ييجوا بعيالهم، وحتى ولاد إخوات جوزها كانوا متعودين ينادوا عليها كأنها الشغالة. كانت بتقول لنفسها كل مرة: “استحملي يا سجده.. بكرة ربنا يعوضك.” كانت فاكرة إن الصبر بيبني مكانة في القلوب، لكن الحقيقة إنها كانت بتضيع نفسها علشان ناس عمرهم ما شافوا تعبها ولا حسوا بقيمتها.

وفي يوم عادي جدًا، وهي واقفة في المطبخ بتقلي بطاطس، حسّت بوجع غريب في جسمها. وجع مش زي أي وجع قبل كده. حاولت تتجاهله الأول، قالت يمكن إرهاق، يمكن ضغط شغل البيت. لكن الأيام عدّت والوجع كان بيزيد. جسمها بقى بيتعب بسرعة، ودُوخة بتيجي فجأة، ونفسها بقى تقيل. حاولت تقول لحماتها مرة: “يا ماما أنا حاسة بتعب شديد.. ممكن حد ييجي معايا للدكتور؟” لكن حماتها ردت ببرود: “هو كل شوية تعب؟ البيت مين هيشيله؟”

سكتت سجده. قالت يمكن جوزها يقف جنبها. لما رجع من الشغل، حكت له بهدوء إنها محتاجة تكشف. لكنه قال وهو بيقلّب في الموبايل: “روحي لوحدك.. أنا مش فاضي للمشاوير دي.” حتى لما طلبت من أخته تيجي معاها، اعتذرت بحجة إنها مشغولة. ساعتها سجده خافت تقول لأهلها عشان ما تقلقهمش، وقالت: “أنا قوية.. أقدر أروح لوحدي.”

دخلت العيادة وقلبها بيدق بقوة. الدكتور عمل شوية تحاليل وأشعة، وكان ساكت بطريقة خوفتها. وبعد شوية قالها بهدوء: “لازم تكوني قوية… للأسف فيه ورم، ولازم نبدأ علاج بسرعة.” الكلمة وقعت عليها كأنها جبل. حسّت إن الأرض بتلف بيها. كانت قاعدة لوحدها، ما فيش حد يمسك إيدها، ما فيش حد يقولها

“أنا جنبك”. خرجت من العيادة وهي مش شايفة قدامها من الدموع.

رجعت البيت وقلبها مليان خوف. رغم كل حاجة، كانت لسه متعلقة بأمل صغير… يمكن لما تحكي لجوزها يضمها، يمكن حماتها تطبطب عليها. لكنها لما قالت الخبر، حصل الصمت الغريب. حماتها بصتلها بنظرة قاسية وقالت ببرود: “يعني هتبقي مريضة وعايزة اللي يخدمك؟ وفوق ده كله شعرك هيقع… أنا بصراحة ما أقدرش أشوف المنظر ده.” قبل ما تستوعب الصدمة، جوزها كمل الكلام: “أمي عندها حق يا سجده… أنا ليه احتياجاتي، ومين هيهتم بيا وبأهلي لو انتي تعبانة؟”

الكلام كان زي السكاكين. حاولت تتكلم لكن صوتها اختفى. بعد لحظات قال جوزها الجملة اللي كسرت آخر حاجة جواها: “إحنا قررنا ننفصل بالمعروف… روحي بيت أهلك اتعالجي هناك.”

سجده خرجت من البيت في نفس الليلة تقريبًا. شنطة صغيرة في إيدها، وقلب مكسور. لما وصلت بيت أهلها، أمها أول ما شافتها حضنتها وقالت: “مالك يا بنتي؟” ساعتها بس انهارت سجده وبكت بحرقة. حكت كل حاجة. أمها ما قالتش غير جملة واحدة: “لو الدنيا كلها سابتك… أمك وأبوك عمرهم ما يسيبوكي.”

بدأت رحلة العلاج. كانت صعبة جدًا. جلسات الكيماوي كانت بتوجعها، شعرها بدأ يقع فعلًا، جسمها بقى ضعيف. لكن الفرق إن المرة دي ما كانتش لوحدها. أمها كانت جنبها، أبوها كان يوصلها للمستشفى، إخواتها يتناوبوا يقعدوا معاها. كل مرة كانت تحس إنها هتستسلم، كانت أمها تقول: “قومي يا سجده… ربنا ما بيكسرش حد إلا علشان يقويه.”

مرت شهور طويلة من الألم، لكن سجده بدأت تتحسن تدريجيًا. التحاليل بقت أفضل، والدكتور قالها يوم بابتسامة: “العلاج جاب نتيجة كويسة… إنتي أقوى مما تتخيلي.” يومها سجده بكت… بس مش من الوجع،

بكت لأنها نجت.

وفي نفس الوقت، حياة جوزها السابق بدأت تتغير. بعد ما طلقها اتجوز بسرعة، لكن الجوازة الجديدة كانت مليانة مشاكل. مراته ما قبلتش تخدم العيلة، وبيت العيلة اللي كان واقف على تعب سجده بدأ يتفكك. حماته كبرت في السن وبقت محتاجة رعاية، وبناتها بقوا كل واحدة مشغولة بحياتها. فجأة اكتشفوا إن الشخص اللي كانوا بيعتبرونه “واجب” كان هو العمود اللي شايل البيت كله.

في يوم من الأيام، كان جوزها ماشي قدام مستشفى كبير، فشاف لوحة عليها اسم مركز جديد لعلاج الأورام. لفت نظره اسم المديرة… “سجده محمود”. وقف مصدوم. دخل يسأل، فشافها بنفسه. كانت لابسة بالطو أبيض، شعرها رجع يطول من جديد، ووشها فيه قوة ما كانتش موجودة قبل كده.

لما شافته، ملامحها ما اتغيرتش. لا كره ولا شفقة… بس هدوء. حاول يتكلم وقال: “أنا غلطت يا سجده… سامحيني.” لكنها بصت له بثبات وقالت: “أنا سامحتك من زمان… بس اللي كسر مرة ما ينفعش يتصلح بنفس الشكل.”

خرج وهو حاسس إن الدنيا ضاقت بيه. أما سجده فكانت واقفة في مكانها، بتبص للسما وقالت في سرها: “الحمد لله… الوجع اللي كنت فاكرة إنه نهاية حياتي، كان في الحقيقة بداية حياتي.” ومن يومها بقت سجده مثال لقوة الإنسان لما ينهار ويقوم تاني. الست اللي كانوا شايفينها مجرد خدامة، بقت سبب أمل لناس كتير بتحارب نفس المرض. وعرفت أخيرًا إن قيمتها ما كانتش في خدمة حد… قيمتها كانت في قلبها القوي اللي قدر يقوم بعد ما الدنيا كلها وقعت عليه.

بعد ما خرج “طارق” من المستشفى وهو مخنوق ومكسور، فضلت “سجده” واقفة لحظة مكانها تبص على الباب اللي خرج منه. للحظة بس، قلبها وجعها… مش علشانه، لكن علشان الذكريات. خمس سنين كاملة

من عمرها عدّوا قدام عينيها زي شريط طويل. أيام كانت بتجري في البيت علشان ترضي الكل، أيام كانت بتتعب وتسكت، أيام كانت بتستنى كلمة شكر أو نظرة تقدير وما تيجيش.

لكنها أخدت نفس عميق، ومسحت دمعة صغيرة حاولت تنزل، وقالت لنفسها بهدوء:
“اللي فات مات يا سجده… انتي دلوقتي إنسانة جديدة.”

رجعت لمكتبها في مركز علاج الأورام اللي بقى حلمها وحياتها. المركز ده ما جاش بسهولة. بعد ما خفّت وبدأت تستعيد قوتها، كانت شايفة بعينيها المرضى اللي حوالينها في المستشفى. ناس كتير لوحدهم… ناس محدش معاهم، زيها بالضبط يوم ما سمعت خبر المرض وهي قاعدة لوحدها قدام الدكتور. يومها وعدت نفسها إن لو ربنا كتب لها عمر، هتعمل حاجة علشان الناس دي ما يحسوش بالوحدة اللي هي حستها.

بدأت تشتغل وتتعلم وتشارك في جمعيات خيرية، ومع دعم أهلها وبعض المتبرعين، قدرت بعد سنين تفتح مركز صغير لعلاج مرضى الأورام ومساعدتهم نفسيًا وماديًا. المركز كبر تدريجيًا… وبقى معروف إن أي حد يدخل عند “سجده” ما يطلعش غير وهو حاسس إن في حد حاسس بيه فعلًا.

وفي يوم من الأيام، كانت قاعدة في مكتبها بتراجع ملفات المرضى، دخلت الممرضة وقالت بتردد:
“يا دكتورة سجده… في ست كبيرة بره، حالتها صعبة جدًا… ومعاها ابنها، بس واضح عليهم إنهم محتاجين مساعدة.”

سجده قالت بهدوء:
“دخليهم.”

فتح الباب… ودخلت ست مسنّة جسمها ضعيف ووشها مرهق. أول ما سجده رفعت عينيها، قلبها وقف لحظة.

كانت حماتها.

الست اللي طردتها من بيتها يوم مرضها… كانت دلوقتي واقفة قدامها مكسورة، متعبة، وما تقدرش حتى تمشي كويس.

وراها كان واقف “طارق”… ملامحه باينة عليها التعب والندم.

الغرفة سكتت ثواني طويلة.
طارق كان

باصص في الأرض، مش قادر حتى يرفع عينه فيها.

 

 

تم نسخ الرابط