بعد أن دفنت زوجي
اهتزّ الهاتف داخل حقيبتي مرة أخرى… ثم مرة ثالثة.
كنت أعرف أن دانيال لن يتوقف بسهولة.
نظرت إلى الشاشة للحظة. خمس مكالمات فائتة. ثم رسالة.
فتحتها ببطء.
“أمي، أين أنت؟ نحن أمام المنزل. الفتيات مع الكلبين. الباب مغلق.”
تخيلت المشهد بوضوح:
دانيال واقف في المدخل، مارتا بجانبه، الفتاتان تمسكان بالمقودين، والكلبان ينبحان بلا توقف.
وضعت الهاتف جانبًا دون أن أجيب.
كانت السفينة قد بدأت تتحرك ببطء خارج الميناء. الماء ينقسم خلفها بخط أبيض طويل، والهواء الصباحي بارد ومنعش.
بعد
“أمي، هذا ليس مضحكًا. اتصلي بي.”
ثم بعدها بدقيقة:
“أمي، هل أنت عند خالة لوسيا؟”
ابتسمتُ دون أن أشعر.
لم أكن عند أحد.
كنتُ أقف على سطح سفينة عملاقة، أراقب مدينة كاملة تبتعد خلفي… ومعها حياة كاملة أيضًا.
رن الهاتف مرة أخرى. هذه المرة كان اسم لوسيا.
ترددتُ للحظة… ثم ضغطت زر الإجابة.
“أمي؟!” جاء صوتها متوترًا.
“أين أنتِ؟ دانيال يقول إنكِ تركتِ رسالة غريبة.”
نظرتُ إلى البحر الواسع أمامي.
ثم قلت بهدوء:
“أنا بخير يا لوسيا.”
“لكن أين أنتِ؟”
تنفست
“أنا على متن سفينة.”
ساد الصمت لثانيتين.
“سفينة؟ ماذا تقصدين؟”
قلت ببساطة:
“اشتريت تذكرة لرحلة بحرية قبل أشهر. لمدة عام.”
سمعت شهقة صغيرة من الطرف الآخر.
“عام؟! أمي… ماذا عن البيت؟ ماذا عن… ماذا عن—”
قاطعتها بلطف:
“البيت لكما. والمفاتيح معكما. أما الكلبان… فهما ليسا مشكلتي.”
في الخلفية سمعت صوت دانيال يسأل بحدة:
“ماذا تقول؟ أين هي؟!”
همست لوسيا:
“أمي… دانيال غاضب جدًا.”
نظرت إلى الأفق حيث بدأت الشمس ترتفع فوق الماء.
ثم قلت بهدوء لم أعرفه من قبل:
“سيهدأ.”
توقفت لحظة، ثم أضفت:
“لقد قضيت حياتي كلها أعيش من أجلكما. الآن سأعيش قليلًا من أجلي.”
لم ترد لوسيا فورًا. لكن صوتها عندما عاد كان أهدأ.
“هل… هل أنت سعيدة يا أمي؟”
ابتسمت، بينما كانت السفينة تشق طريقها نحو البحر المفتوح.
“لأول مرة منذ وقت طويل… نعم.”
أغلقت الهاتف.
وضعت يدي على السور المعدني ونظرت إلى الماء المتلألئ تحت ضوء الصباح.
خلفي كانت إسبانيا تختفي في الضباب البعيد.
وأمامي… كان هناك عام كامل من المدن الجديدة، واللغات
ابتسمت.
لأن حياتي… بدأت للتو.