يا ساتر يا رب… في لحظة ممكن الماضي كله يقوم من قبره ويقف قدامك وهو لابس بدلة سودة وواقف في نص فرح بنتك. أنا راجل عندي خمسة وخمسين سنة، شفت في حياتي اللي يكفي عشرة أعمار، بس ولا مرة اتخيلت إن يوم فرح بنتي هيبقى اليوم اللي السر فيه يقرر يتكلم بعد 23 سنة سكوت. من أكتر من تلاتين سنة خسرت مراتي وبنتي الصغيرة في حادثة عربية بشعة، ليلة مطر وطريق زلق وصوت فرامل بيصرخ، وبعدها سكون تقيل كإن الدنيا نفسها ماتت. صحيت في المستشفى لوحدي، سألت عليهم، والرد كان نظرة شفقة من دكتور مش عارف يقول إيه. من اليوم ده وأنا عايش بنص روح، باكل عشان أعيش، وبشتغل عشان اليوم يعدي، وبنام عشان أنسى، بس مفيش حاجة كانت بتملا الفراغ اللي سابوه جوايا. سنين طويلة وأنا مجرد خيال لراجل، لحد ما في يوم صحيت وقلت لنفسي إن الحب اللي جوايا لو فضلت كاتمه هموت قبله، وإن يمكن ربنا سابلي نفس عشان أديه لحد محتاجه. دخلت دار أيتام وقلبي بيدق بخوف غريب، مش عارف بدور على مين، يمكن كنت بدور على نفسي، لحد ما شفتها، بنت صغيرة قاعدة لوحدها جنب الشباك على كرسي متحرك، شعرها ناعم نازل على كتفها وعينيها واسعة فيها حزن أكبر من سنها، أول ما بصتلي حسيت قلبي بيتنفض، نفس النظرة، نفس الملامح اللي كانت عند بنتي اللي راحت، حسيت إن الزمن بيلعب بيا، المشرفة قالتلي محدش راضي يتبناها، أبوها مات في حادثة وأمها سابتها ومشيت، اسمها ليلي وعندها خمس سنين، قربت منها بهدوء، سألتها بتحبي ترسمي؟ قالتلي آه وبترسم بيوت كبيرة فيها شجر وشباك مفتوح، سألتها بتحبي الشباك ليه؟
قالتلي عشان لما باب يتقفل يبقى لسه فيه نور داخل، في اللحظة دي عرفت إن دي مش صدفة، عرفت إن ربنا بيديني فرصة تانية، خلصت الإجراءات وخدتها البيت، ومن أول يوم نادتني بابا من غير تردد، وكإنها كانت مستنياني زي ما كنت مستنيها، الأيام جريت وبقينا إحنا الاتنين جيش صغير في وش الدنيا، علمتها تمشي بعلاج طويل وإصرار، وقفت أول خطوة وهي بتضحك وبتعيط في نفس الوقت وأنا ماسك إيدها، دخلت مدرسة، رجعتلي البيت تجري تحكيلي عن صحابها، عن مدرس رياضيات بيزعق، عن أحلامها تبقى مهندسة تبني بيوت فيها شباك كتير، كنت كل يوم بشوف فيها معجزة، وكل سنة كانت بتكبر قدامي وأنا بخاف من اللحظة اللي تكبر فيها قوي وتبعد، بس كانت دايمًا تقولي مهما كبرت أنا بنتك، لحد ما دخلت الجامعة وهناك قابلت شاب محترم حبها وحبته، جالي البيت رسمي يطلب إيدها، بصيت في عينيه ولقيت نفس الصدق اللي شفته في عينيها وهي صغيرة، وافقت وبدأنا نجهز للفرح، يوم الفرح كان أحلى يوم في حياتي بعد ما افتكرت إني عمري ما هفرح تاني، القاعة منورة، الموسيقى عالية، ليلي بفستانها الأبيض زي الملاك، بتمشي بثقة على رجليها اللي تعبت سنين عشان تقف عليهم، وأنا واقف جنبها حاسس إني كسبت الدنيا، لحد ما عيني لمحت ست واقفة عند المدخل، لبسها غريب عن الجو، وشها متشد، عينيها بتلف في المكان كإنها بتدور على حد، حسيت بوخزة قلق، قلت يمكن من قرايب العريس، قربت منها بأدب وسألتها لو محتاجة مساعدة، بصتلي نظرة خلت الدم يتجمد في عروقي وقالتلي تعال على جنب لازم أقولك حاجة تخص بنتك، قلبي وقع، قلتلها
بنتي مالها؟ قالتلي بصوت بارد إنت معندكش فكرة هي كانت مخبية عنك إيه طول السنين دي، فيه حاجة سودة من ماضيها لازم تعرفها دلوقت قبل ما الفرح يكمل، حسيت الدنيا بتميل، قلتلها اتكلمي، قالتلي أنا أمها، الكلمة نزلت عليا زي الرصاصة، قالتلي أنا اللي سيبتها زمان، وأنا اللي رجعت النهارده عشان ضميري صحاني، بس مش بس عشان كده، فيه حقيقة لازم تعرفها، ليلي مش بنت يتيمة عادية، ليلي كانت شاهدة على جريمة، يوم الحادثة اللي مات فيه أبوها ماكنش حادث عادي، كان مدبر، وأنا كنت السبب، أنا اللي بلغت عن شبكة تهريب كان جوزي جزء منها، وهم اللي خلصوا عليه، وليلي شافت كل حاجة، عشان كده فضلت ساكتة ومابتتكلمش فترة طويلة وهي صغيرة، وعشان كده كانت بتصرخ في نومها، وأنا خفت عليهم وخفت على نفسي وهربت وسيبتها في الدار عشان أحميها، لكن الماضي لسه بيجري ورانا، الناس دي خرجت من السجن من شهور وبيسألوا عليها، وأنا عرفت إنهم ممكن ييجوا النهارده عشان يوصلوا لها، اتجننت وقلت إنتي جاية تهديلها حياتها في يوم زي ده؟ قالتلي أنا جاية أحذرها، مش أفضحها، ولو مش مصدقني اسألها عن الكابوس اللي بيجيلها لحد دلوقت عن عربية سودا بتمشي وراها، حسيت الأرض بتتهز، لأن ليلي فعلًا كانت ساعات تصحى مفزوعة وتقول في عربية بتراقبني، كنت فاكرها بقايا خوف قديم، رجعت بصيت على بنتي وهي بتضحك وسط صحابها، روحت لها وقلت لازم أتكلم معاكي دقيقة، لما حكيتلها اللي الست قالته، وشها شحب، مسكت إيدي بقوة وقالتلي كنت مستنية اليوم ده، كنت عايزة أحكي لك بس كنت خايفة تتأذى بسببي، قالتلي
إنها فاكرة وشوش رجالة معينة، وإن في حد منهم حاول يقرب منها من شهرين قدام الجامعة، لكنها هربت، قالتلي أنا عمري ما خبيت عنك عشان أبعدك، أنا خبيت عشان أحميك، في اللحظة دي حسيت إني صغير قدام قوتها، خرجت برا القاعة ولقيت فعلًا عربية سودا واقفة بعيد شوية ونفس الست بتبص ناحيتها بخوف، اتصلت فورًا بصديق قديم ليا في الشرطة وحكيتله كل حاجة، خلال نص ساعة كانت القاعة حوالينها عربيات شرطة، اتقبض على اتنين كانوا مستنيين إشارة، واتكشف إنهم فعلًا تابعين لنفس الشبكة القديمة، أم ليلي انهارت واعترفت بكل حاجة رسمي، وطلبت بس تشوف بنتها مرة، ليلي وقفت قدامها بثبات غريب، قالتلها أنا سامحتك عشان أقدر أكمل، بس أبويا هو الراجل اللي رباني ووقف جنبي، وأنا مش هسيبه، الكلمة دي رجعتلي روحي، الفرح اتأجل ساعتين بس، وبعد ما الشرطة خلصت إجراءاتها رجعنا نكمل، يمكن الجو ماكانش زي الأول، بس كان فيه حاجة أعمق، كان فيه انتصار، لما سلمتها لعريسها حسيت إني مش بس بجوز بنتي، أنا بقفل باب 23 سنة خوف ووجع، وبفتح شباك نور جديد زي ما كانت بترسم وهي صغيرة، وفي آخر الليلة وأنا لوحدي افتكرت أول مرة شفتها جنب الشباك في دار الأيتام، فهمت إن بعض الأسرار بتستنى سنين عشان تتقال، مش عشان تهد، لكن عشان تحررنا، وليلي ماكانتش مخبية سر يهدم بيتنا، كانت شايلة سر عشان تحميني، وفي الآخر الماضي حاول يطاردنا في أسعد لحظة، بس المرة دي ماكنّاش لوحدنا، كنا أقوى، وكمل الفرح، وكملت الحكاية، والبيت اللي اتبنى في 23 سنة ما وقعش، بالعكس بقى أصلب من أي وقت فات.