وأنا بلبس جوزي الراحل
وأنا بلبس جوزي الراحل لدفنه، لقيت إحداثيات مخفية تحت خط شعره… ولما دخلتها في الـGPS، ودتني لمخزن أنا عمرى ما كنت أعرف عنه حاجة.
أنا عندي 67 سنة. اتجوزت على كريم من أربعين سنة بالظبط. وكنت فاكرة إني أعرف كل حاجة فيه… كل ندبة، كل كشة، كل سنتيمتر منه.
بيت الجنائز اداني ساعة خاصة قبل العزاء. كنت بمشط شعره ورا زي ما عملت آلاف المرات قبل كده. قصوه مخصوص للعرض، أقصر من طول شعره اللي كان دايمًا يسيبه.
بس هنا شفتها — تحت خط شعره، فوق ودنه اليمين.
وشم صغير باهت.
الحبر كان قديم، ودهّن شوية مع الزمن، ومش واضح قوي. تحت الشعر الرقيق اللي اتقصّ دلوقتي، كان فيه أرقام.
مجموعتين. بالنقط العشرية.
كريم عمره ما عمل وشم قبل كده… لا في الأربعين سنة اللي فاتوا.
قبل ما مدير بيت الجنائز يخبط، صورت الرقم بالموبايل.
الليل بعد الډفن، لما البيت هدأ والكسارات بقت ساكتة، دخلت الأرقام على الـGPS.
ودتني لمخزن بعيد عن البيت حوالي عشرين دقيقة.
ما نمتش خالص. فتشت كل حاجة…
الدولاب. الخزائن. جيوب المعاطف. الأتريك. عربيته.
الساعتين الصبح، رحت الجراج — المكان اللي دايمًا كان بيقوله "مكاني".
كتابه كان مقفول… عمره ما اتقفل قبل كده.
في الدرج السفلي، ورا ظرف قديم، لقيت كومباكت مخفي أنا عمرى ما كنت واخدة بالي منه.
جواه كان فيه مفتاح واحد.
معدني. عليه أرقام. شكله صناعي.
زي المفاتيح اللي بيستخدموها للمخازن.
الصبح، رحت المخزن لوحدي.
الوحدة 317.
إيدي كانت ثابتة وأنا بنزل من العربية.
بس ما ثباتتش لما دخلت المفتاح في القفل.
المفتاح دخل.
ولما فتحت الباب…
أخيرًا فهمت ليه كريم كان مخبي الإحداثيات دي تحت جلده
فتحت الباب ببطء، وتوقعت أن أجد أموالاً، أو أسلحة، أو ربما أدلة على حياة مزدوجة لـ "كريم" كرجل مخابرات أو مچرم هارب. لكن ما رأيته جعل ركبتيَّ ترتطمان بالأرض من شدة الذهول.
المخزن لم يكن مستودعاً.. كان متحفاً زمنياً لـ 40 عاماً من عمري أنا.
الأرشيف السري
المكان كان مليئاً بالرفوف المنظمة بدقة مذهلة. على اليمين، وجدت مئات الصناديق الكرتونية، كل صندوق مكتوب عليه سنة محددة: "1984"، "1992"، "2010".. وحتى "2024"
فتحت صندوق سنة "1986"، السنة التي فقدنا فيها جنيننا الأول. وجدت بداخلها "منديل القماش" الذي بكيت فيه ليلتها، وصورة سونار باهتة كنت أظن أنني أضعتها، وورقة صغيرة بخط كريم مكتوب فيها: «اليوم انكسر قلب ليلى، سأفعل أي شيء لأجعلها تبتسم مرة أخرى».
مشيت في الممر وأنا أرتجف. وجدت أجهزة تسجيل قديمة، وعليها أشرطة كاسيت بكل تواريخ أعياد ميلادي. وجدت "فردة حذاء" ضاعت مني في رحلة شهر العسل باليونان، وكنت قد نسيت أمرها تماماً.
في نهاية المخزن، كان هناك مكتب صغير عليه شاشة كمبيوتر حديثة وجهاز عرض "بروجكتور". ضغطت على زر التشغيل الذي كان عليه ملصق صغير مكتوب عليه: "اضغطي هنا يا حبيبتي".
بدأ عرض فيديو.. كان كريم يجلس على كرسيه المفضل، يبدو عليه التعب لكن عينيه كانتا تلمعان بنفس الحب. قال في الفيديو:
"ليلى، إذا كنتِ تشاهدين هذا، فأنا الآن بين يدي الله. الوشم الذي رأيتِه.. وضعتُه وأنا شاب في العشرين، قبل أن أعرفك. كنتُ أعمل في توثيق وحماية الأرشيفات الحساسة، وكان شغفي هو 'الذاكرة'. وعندما
أحببتك، قررت أن يكون مخزني السري هو 'ذاكرتنا نحن'.كنتُ أخاف أن تضيع تفاصيلنا الصغيرة، أو يغلبنا النسيان. كل كلمة قلتيها، كل غرض تافه تخلصتِ منه، كل لحظة حزن أو فرح.. كنتُ آخذ أثرها وأضعه هنا. هذا المخزن هو ثروتي الحقيقية، إنه 'أنتِ' في عيوني طوال أربعين سنة."
المفاجأة الأخيرة
خلف جهاز العرض، وجدت صندوقاً معدنياً صغيراً مفتوحاً. بداخله كان هناك عقد ملكية لهذا المخزن باسمي، ومعه خطاب من البنك يؤكد وجود مبلغ ضخم تم ادخاره من "أوفر تايم" عمله طوال سنوات، ومكتوب عليه: "لرحلة ليلى حول العالم التي تمنتها دائماً ولم تسمح لنا الظروف بها".
أدركت حينها أن كريم لم يكن يخفي عني "حياة أخرى"، بل كان يعيد بناء حياتي في الخفاء ليحميها من الفناء. الوشم لم يكن سرًا عسكريًا، بل كان "خريطة الكنز" التي أراد لي أن أجدها عندما أصبح وحيدة، ليخبرني أنه لم يغادرني قط.
خرجت من المخزن وأنا أتنفس بعمق لأول مرة منذ ۏفاته. أغلقت الباب بالمفتاح المعدني، ووضعته في سلسلتي حول عنقي.
لقد ماټ كريم بجسده،