في اليوم الذي يسبق زفافي
في اليوم الذي يسبق زفافي كان شخص لم أره منذ أكثر من عشرين عاما ينتظرني خارج المكتب.
والدي.
ترك عائلتنا عندما كان عمري خمس سنوات. ببساطة خرج من المنزل ولم يعد.
تركت أمي وحدها بلا دعم بلا مال بلا تفسير.
ومنذ ذلك اليوم لم أسمع عنه شيئا. ومع مرور السنوات أقنعت نفسي أنني لم أعد بحاجة إلى أب.
خرجت من المكتب أحمل فنجان قهوة ولم أفهم في البداية من يقف بجانب الحائط.
رجل مسن يرتدي معطفا داكنا شعره رمادي عند الصدغين وعيناه متعبتان كأنهما حملتا سنوات أكثر مما يجب.
خطا خطوة نحوي.
وشعرت كأن صدمة كهربائية اجتاحتني.
عرفته فورا.
آنا قال بصوت منخفض متردد. أعرف أنني لا أستحق حتى أن أنطق اسمك.
تجمدت في مكاني.
اقترب خطوة أخرى لكنه لم يمد يده وكأنه يعرف أنه فقد هذا الحق منذ زمن.
أنا لا أطلب منك أن تسامحيني. ولا أطلب تفسيرا. لكن دعيني أقول هذا أولا.
توقف لحظة وكأنه يجمع شجاعة لم يمتلكها يوما.
أنا كنت جبانا. لم أكن قد المسؤولية. خفت من الفقر من الفشل من أن أكون
كانت كلماته بطيئة ثقيلة لكنها صادقة بشكل مؤلم.
لم يمر يوم واحد لم أفكر فيه بك. كنت أتابع أخبارك من بعيد. أعرف متى تخرجت من المدرسة رأيت صورك في الجامعة كنت أراقبك من بعيد فقط لأطمئن أنك بخير. لم أجرؤ على الاقتراب. لم أكن أستحق.
شعرت بغضب قديم يتحرك داخلي لكنني شعرت بشيء آخر أيضا حزن.
ولماذا الآن سألت أخيرا بصوت بالكاد خرج.
نظر إلي مباشرة وعيناه تلمعان بندم لم يعد يخفيه.
لأن الأمر هذه المرة ليس عني. بل عنك. وغدا قد يكون متأخرا.
ثم قال الجملة التي غيرت كل شيء
غدا بعد مراسم التسجيل المدني ستتوقف أمامك سيارة فان سوداء عليها شريط أبيض على الغطاء. من فضلك لا تركبيها. تحت أي ظرف. سأكون في انتظارك حول الزاوية. فقط ثقي بي هذه المرة.
ابتسمت ابتسامة مرة.
ثقي به
بعد عشرين عاما
أدرت ظهري ومشيت دون أن أقول كلمة. ولم يحاول إيقافي.
في صباح اليوم التالي كان يوم الزفاف.
الزهور. الفستان الأبيض.
حاولت أن أقنع نفسي أن لقاء الأمس لم يكن سوى لحظة ضعف من رجل عجوز نادم.
انتهت المراسم وسط التصفيق والتهاني.
خرجنا من مكتب التسجيل المدني.
وتوقفت سيارة فان سوداء عند الرصيف.
وعلى غطائها شريط أبيض.
تجمد الهواء في صدري.
تراجعت خطوة.
أحتاج دقيقة فقط دقيقة. قلت وتحركت مبتعدة حول المبنى قلبي يخفق بعنف.
وعند الزاوية
كان يقف هناك.
والدي.
كان شاحبا يتنفس بسرعة وعيناه تراقبان الشارع بقلق.
وصلت في الوقت المناسب. قال. اسمعيني بسرعة.
ثم بدأ يتحدث.
عندما رأيت خطيبك أول مرة شعرت بشيء خاطئ. لا تسأليني كيف. ربما لأنني أعرف شكل الرجال الذين يبتسمون وهم يخفون شيئا. تحريت عنه. لدي معارف قدامى من حياة كنت أتمنى ألا تعودي لسماعها.
ابتلع ريقه.
مارك لم يكن كما قال لك. قبل سنوات كان مرتبطا بأشخاص خطرين. ديون صفقات مشبوهة خيانات. ظن أنه خرج من ذلك العالم لكنه لم يخرج حقا. بعض الأمور لا تنتهي بهذه السهولة.
شعرت بالدوار.
قبل أيام علم
تجمدت.
كانوا يخططون لاختطافك فور خروجك من التسجيل المدني. ليس لطلب فدية. بل للضغط عليه. للإذلال. لإعادته إلى مكانه.
نظرت نحوه غير قادرة على التنفس.
كيف عرفت
لأنني كنت أراقبه منذ أشهر. عندما عرفت أنك مخطوبة تحريت عنه. ليس بدافع التدخل بل بدافع الخوف. كنت أريد أن أتأكد أنك بأمان. وهذه المرة لم أهرب.
وفي تلك اللحظة دوى صوت صفارات الشرطة.
ظهرت سيارات الشرطة في الشارع وأوقفت سيارة الفان السوداء.
تم إخراج ثلاثة رجال غرباء من الداخل.
ارتجفت ساقاي.
لو لم ألتفت.
لو لم أسمعه.
لكنت الآن داخل تلك السيارة.
اختفيت.
انتهى الزفاف قبل أن يبدأ.
وانهار كل شيء كنت أظنه مستقبلا مضمونا.
أما والدي
فوقف أمامي بصمت لا يطلب شكرا ولا مغفرة.
قال فقط
أنا لا أستحق لقب أب بعد كل ما فعلته. لكن اليوم على الأقل لم أهرب.
نظرت إليه طويلا.
لأول مرة منذ عشرين عاما لم أر الرجل الذي تركنا.
بل رأيت رجلا يحاول أن يصلح
وفي ذلك اليوم قبل أن أفقد حياتي
استعدت
أبي الذي حماني