انا وجوزي
على كراسي السفرة، كان قاعد أبويا بوشه اللي حسيته كبر عشر سنين في ليلة واحدة، ملامحه جامدة وعينيه فيها قسوة عمري ما شفتها منه قبل كده. وجنبه أخويا أحمد، اللي كان بيبذل مجهود خرافي عشان يفضل قاعد مكانه وما يقومش يكسر البيت كله على دماغ كريم. وعلى الكرسي التالت، كان قاعد الأستاذ طارق، المحامي وصديق العيلة القديم، قدامه شنطته الجلد السودا وورق مرصوص بعناية.
صينية اللحمة المشوية كانت محطوطة في النص، بتطلع دخان وريحة كانت بالنسبة لكريم من دقايق ريحة "انتصار"، بس دلوقتي بقت ريحة "الفخ" اللي وقع فيه برجله.
"إيه ده؟" صوته طلع مهزوز، مكسور، ملوش أي علاقة بصوت الراجل المرعب اللي قالي 'وطي صوتك' امبارح. "يا حمايا... يا أحمد... إنتوا بتعملوا إيه هنا؟"
طلعت من المطبخ بخطوات هادية جداً. ماكنتش بترعش زي امبارح. الخوف كله اتبخر ومابقاش فاضل مكانه غير برود وثبات أنا نفسي استغربته. وقفت قدامه، ومسكت منديل مبلل من على الترابيزة، وببطء شديد مسحت طبقة المكياج الثقيلة اللي كنت حطاها على خدي.
ظهرت الكدمة. زرقا، واضحة، وبشعة.
أول ما أبويا شافها من قريب للمرة التانية، غمض عينيه ثانية وأخد نفس عميق عشان يسيطر على غضبه. كريم وشه جاب ألوان، وبدأ يرجع لورا خطوة وهو بيلعثم: "يا عمي... دي... دي خبطت في باب الدولاب
"اخرس!"
الكلمة طلعت من أحمد زي الرصاصة. قام وقف، طوله وعرضه كانوا كافيين يخلوا كريم ينكمش في مكانه. أحمد كمل بصوت واطي بس يخوف أكتر من الزعيق: "إحنا متربيين يا كريم، وأبويا معلمني إن الراجل الحقيقي ميمدش إيده لا على واحدة ست، ولا على واحد أضعف منه. أنا كان ممكن أردلك القلم عشرة وأخليك فرجة للعمارة كلها، بس إحنا بناخد حقنا بالقانون والأصول... ومش هوسخ إيدي بيك."
كريم بصلي، عينيه فيها رجاء مختلط برعب: "يا ندى... إنتي هتكبري الموضوع ليه؟ دي ساعة شيطان، إنتي اللي نرفزتيني ومحسستيش على كلامك!"
"البيت اللي ينضرب فيه ست، ميبقاش بيت... يبقى سجن." أبويا قالها وهو بيسند على عكازه وبيقف بشموخ. "وبنتي مابتترباش في سجون يا ابن الناس. أنا سلمتهالك أمانة، وإنت خنت الأمانة وكسرتها."
الأستاذ طارق المحامي اتنحنح وفتح ملف قدامه: "أستاذ كريم، المدام ندى شرفتنا الصبح بدري، وعملنا تقرير طبي معتمد في المستشفى الحكومي بالكدمة وآثار الضرب. التقرير ده دلوقتي في الحفظ والصون. إحنا قدامنا طريقين مفيش تالت ليهم..."
سكت طارق ثانية عشان يدي للكلمات وزنها، وكمل: "الطريق الأول، إنك تمضي على الورق اللي قدامي ده. تنازل كامل عن الشقة زي ما هو مكتوب في العقد، وتدفع مؤخر الصداق، وتطلق بهدوء واحترام
كريم بص للورق، وبعدين بصلي. حاول يستعطفني للمرة الأخيرة، حاول يلعب على وتر المشاعر القديمة: "يا ندى... عشان خاطر الأيام الحلوة. هتهدي البيت عشان مشكلة زي دي؟ أنا مستعد أعتذرلك قدامهم كلهم."
ابتسمت بوجع ميت، ورديت بصوت ثابت: "البيت اتهد اللحظة اللي إيدك نزلت فيها على وشي يا كريم. إنت متخيل إني ممكن أنام في مكان واحد وأنا خايفة منك؟ متخيل إني هكمل حياتي مع راجل بيستقوى عليا؟ أنا ماعملتش الأكل ده عشانك..." شاورت على السفرة، "أنا عملته عشان أأكل أهلي وضيوفي اللي جم يرجعولي كرامتي اللي إنت فكرت إنك داستها امبارح. إنت مابقاش ليك مكان على السفرة دي، ولا في حياتي كلها."
الصمت نزل على المكان تقيل. كريم أدرك إن مفيش مفر، وإن مفيش أي مساحة للتلاعب. الغرور اللي كان مالي وشه الصبح وهو بيبصلي بشماتة، اتحول لانكسار وذل. سحب القلم من إيد المحامي، وإيده كانت بتترعش وهو بيمضي على كل ورقة قدامه. كل توقيع كان بيكتب نهاية مرحلة مظلمة في حياتي، وبداية لـ "أنا" الجديدة.
أول ما خلص، المحامي لم ورقه. أحمد شال شنطتي اللي كنت مجهزاها وحاطاها جنب الباب، وفتح باب الشقة.
أبويا
نزلت السلالم ورا أهلي. مع كل درجة كنت بنزلها، كنت بحس بحجر بيتشال من على صدري. أول ما طلعت من العمارة وشميت هوا الشارع، حسيت إني بتنفس لأول مرة من شهور.
الأيام اللي بعد كده ماكانتش سهلة، بس كانت حقيقية. الكدمة اللي على خدي أخدت أسبوعين عشان لونها يروح، بس كل يوم كنت ببص عليها في المراية ماكنتش بشوفها علامة ضعف، كنت بشوفها وسام شجاعة... العلامة اللي فوقتني وخلتني أختار نفسي.
رجعت لبيت أبويا، الأوضة القديمة، الدفا، ريحة القهوة الصبح من غير توتر، الضحك من القلب من غير ما أحسب حساب لكلمة ممكن تعصب حد. مسحت رقم كريم من تليفوني، ومسحته من ذاكرتي. بدأت أدوّر على شغل من تاني، أنزل أتمشى في الشوارع من غير ما أبقى خايفة أتاخر عشر دقايق.
بعد شهرين، استلمت ورقة طلاقي. مسكتها في إيدي وبصيت لها كتير. ماحسيتش بحزن ولا بندم. حسيت بانتصار حقيقي... مش الانتصار المزيف بتاع كريم وهو داخل يشم ريحة الأكل. الانتصار الحقيقي إنك تعرف قيمتك، وإنك ترفض تكون مجرد ضحية لغرور حد.
النهارده، وأنا بشرب قهوتي في بلكونة أوضتي والصبح بيشقشق، بصيت للسما وابتسمت. أنا خسرت بيت، بس كسبت نفسي... والمكسب ده، مفيش أي حاجة في