في الليلة التي طردتنا فيها زوجتي من المنزل

لمحة نيوز

في الليلة التي طردتنا فيها زوجتي من المنزل بدا العالم وكأنه انكمش ليصبح ممرا مظلما بلا مخرج. لم تكن هناك صرخات طويلة ولا أطباق تتحطم على الجدران فقط كلمات حادة قيلت ببرود كان يؤلم أكثر من أي إهانة. كان ابني ماتيو ذو الخمسة عشر عاما جالسا على الطاولة حين حدث كل شيء. كنت أتحدث عن الفواتير عن الديون عن ضرورة شد الحزام. وكانت هي تتحدث عن التعب عن وعود لم تتحقق عن حياة تشعر أنها أهدرت.
أغلق الباب خلفنا بصفعة حادة. كنت أحمل في يدي حقيبة ظهر فيها بعض الملابس ومصباحا يدويا وصندوقا يحوي أدوات قديمة. كان ماتيو يسير إلى جانبي بصمت يحاول أن يبدو قويا. لامسنا هواء الشتاء في وجوهنا كأنه يريد أن يذكرنا بأن الخارج لا يعرف الرحمة. كانت السماء مغطاة بغيوم ثقيلة بلون بنفسجي داكن ينبئ بتساقط الثلوج.
لم يكن لدينا مكان نذهب إليه.
وبينما كنا نسير على حافة الأرض تذكرت شيئا نسيته السنوات هيكلا معدنيا

قديما خلف الحظيرة القديمة. كان مخزنا نصف أسطواني صدئا وغارقا جزئيا بفعل الزمن. كثيرون كانوا سيصفونه بأنه خردة بلا فائدة. أما أنا ففي تلك الليلة رأيت فيه فرصة.
أبي إنه مهجور قال ماتيو بصوت مرتجف.
ولهذا بالذات أجبته محاولا أن أبدو واثقا لن يزعجنا أحد هنا.
دفعت الباب فصدر صرير كأنه يحتج على وجودنا. كان الداخل مليئا بالغبار وألواح مكسورة وبقايا عزل قديم. كانت رائحة المعدن الصدئ والرطوبة قوية لكن الجدران ما زالت قائمة. تلك القشرة الباردة ستكون ملجأنا.
أمضينا ساعات في التنظيف. أزلنا المسامير وكنسنا الأنقاض وسوينا الأرض حتى أصبحت ثابتة. وعندما انتهينا كنا منهكين لكن المكان بدا مختلفا. فارغا نعم لكنه مليء بالإمكانات.
تلك الليلة لم ننم تقريبا. كان الهواء يتسلل من الشقوق والبرد يخترق ملابسنا. حينها تذكرت شيئا تعلمته في طفولتي وأنا أراقب جدي يبني أفران الطين الطين عازل طبيعي.
سنغطيه بالطين
قلت لماتيو عند الفجر.
نظر إلي غير مصدق.
بالطين
بالطين الذكي أجبته بابتسامة متعبة.
خلف الحظيرة كانت الأرض حمراء كثيفة. حفرنا بالمجارف القديمة وبأيدينا. كان الطين باردا ولزجا لكنه وفير. خلطناه بالماء وبدأنا نطبقه على الجدران المعدنية. كانت الطبقة الأولى غير متقنة وغير متساوية. ضحكنا حين رأينا أنفسنا مغطين بالطين حتى الجبين. لكن طبقة بعد أخرى بدأ المعدن الصدئ يختفي تحت غطاء أحمر.
عملنا حتى آلمتنا أذرعنا. تعلمنا كيف نفرد الطين بالسماكة المناسبة لتجنب التشققات. سددنا الشقوق التي كان يتسلل منها الهواء. بنينا قاعدة حجرية صغيرة لمدفأة نشعل فيها النار دون أن يملأ الدخان المكان.
ظلت الليالي قاسية لكنها لم تعد لا تحتمل. كان الطين يحتفظ بجزء من الحرارة. أصبحنا نسمع الريح في الخارج لا في الداخل. بدأ ماتيو يبتسم أكثر. رأيته يتأمل الجدران وكأنه ينظر إلى عمل فني.
يبدو أنه يتحسن أليس كذلك قال
ذات مساء.
إنه يصبح بيتنا أجبته.
ومع مرور الأسابيع لم يعد المخزن يبدو كمأوى مؤقت بل بدأ يشعرنا بأنه منزل. أضفنا أليافا جافة إلى الطين لتقويته. حفرنا قناة حوله لتحويل مياه الأمطار. صنعنا رفوفا وطاولة صغيرة من بقايا الخشب.
حل الشتاء بالكامل. غطى الثلج الغابة القريبة. تعلمنا كيف نقتصد في الحطب وكيف نحافظ على النار مشتعلة طوال الليل. علمت ماتيو كيف يرتب الحطب ليحترق ببطء وكيف يميز صوت اللهب الصحي.
بدأ الطعام ينفد. قسمنا ما لدينا وخرجنا نبحث عن المزيد. وجدنا جدولا قريبا وبنينا مرشحا بدائيا من الرمل والقماش. تعرفنا على نباتات صالحة للأكل. نصبت فخاخا بسيطة على مسارات الحيوانات. في البداية لم نصطد سوى القوارض لكن كل صيد كان انتصارا.
أظهر ماتيو فضولا أدهشني. كان يسأل عن كل نبتة عن كل أثر في الثلج. بدأ يسجل الأيام على قطعة خشب يرسم ملامح المأوى المغطى بالطين.
في إحدى الليالي أثناء عاصفة
عنيفة بشكل خاص ضربت الرياح
تم نسخ الرابط