جوزي كان دايما بيعايرني بفقري
جوزي دايما بيعايرني بفقري، سبته وغضبت من البيت ورحت بيت أهلي ومرضيتش أحكي لبابا حاجة عشان مازودش همه، لكن بابا كان كل شويه يضغط عليه إني أروح وفي الآخر حكيتله اللي حصل. لما حكتله قرر إنه يروح معايا ومايسبنيش لوحدي وإنه يكلم جوزي. وصلت البيت وسبقت بابا على السلم وخبطت على الباب وجوزي فتح وأول ما شافني قالي: "جيتي ليه؟ أبوكي مش لاقي يصرف عليكي؟" بابا طلع وسمع كلام جوزي ولما جوزي شافه ماسكتش وسمّعه الكلام ده في وشه.
سكت بابا لحظة، وبص لسامر بنظرة هادية بس تخوّف، وقال بصوت واثق: "أنا فعلاً يا سامر مش لاقي أصرف عليها.. لأني صرفت كل اللي حيلتي عشان أطلع ست بتفهم في الأصول، بس الظاهر إني نسيت أصرف شوية وقت عشان أعلمك إنت يعني إيه راجل يصون كرامة مراته."
سامر وشه جاب ألوان وحاول يلم الموضوع وقال بلجلجة: "يا عمي أنا مقصديش، أنا بس..."
أبويا قاطعه بإيده وقال: "ماتكملش، الكلمة اللي بتطلع مابترجعش، والبيوت اللي مابتحترمش أهلها مابتستاهلش نعيش فيها."
بص لي بابا وقالي: "ادخلي يا بنتي، لمي كل قشة تخصك، ومش عايز أشوف دمعة في عينك، إنتي راجعة بيت السبع اللي رباكي."
دخلت الأوضة بقلب مكسور بس حاسة بسند ضهري، لميت هدومي في الشنط وسامر واقف يتفرج وهو مش مصدق إن "السباك" البسيط ده قدر يوقفه عند حده بالمنطق والأدب
أبويا بص لسامر بكل ثبات وهو ماسك إيدي، وقال له بصوت مسمع السلم كله: "بص
نزلنا من البيت، وسامر واقف مكانه زي اللي اتخبط على دماغه، مش مستوعب إن الراجل اللي كان بيعايره بفقره طلع أغنى منه بكرامته.
مرت الأيام، وبابا فتح لي بيته وقلبه، وكان دايماً يطمنّي ويقولي: "ماتخافيش يا "أماني"، اللي يبيعنا بالرخيص ملوش مكان وسطنا." بس سامر مسبناش في حالنا، كان كل شوية يكلم بابا ويقوله بنبرة تهديد: "لو مرجعتليش النهاردة، أنا هطلقها، فكر كويس مين هيصرف عليها هي وبنتها!"
بابا كان بياخد الكلام بضحكة سخرية ويرد عليه بكلمة واحدة: "الورقة اللي بتهدد بيها دي، هي اللي هتحرر بنتي من سجنك، ارمي يمينك وقت ما تحب، إحنا مابنشتريش حد باعنا."
وفعلاً، سامر لما لقى التهديد مجابش نتيجة، بعت ورقة الطلاق.. في اللحظة دي حسيت بوجع بسيط، بس بابا طبطب على كتفي وقال: "النهاردة بس نقدر نقول إنك بدأتي تعيشي يا بنتي."
الدنيا مابتفضلش على حالها، وبابا اللي شقي طول عمره، ربنا فتحها عليه من وسع، وبدأ يجيله شغل كبير في المقاولات وبقى عنده عمال وبدل الورشة بقت اتنين. وأنا كمان ربنا كرمني في شغلي وكتاباتي، وبقيت "أماني سيد" اللي الكل بيشاور عليها
وفي يوم، كنت قاعدة مع بابا بنشرب الشاي، لقيته بيقولي بابتسامة صافية: "يا بنتي، جالك عريس.. راجل بجد، مهندس محترم ومن عيلة أصول، وشاف فيكي الست القوية الناجحة اللي رفعت رأس أبوها." قلبي دق لحظة، بس المرة دي مكنش خوف، كان إحساس إن ربنا بعتلي "العوض" اللي يمسح كل وجع شفته مع سامر.
سامر عرف الخبر، وجن جنونه.. إزاي "بنت السباك" اللي كان بيذلها بفقرها، دلوقت بقت هي وأبوها في حتة تانية خالص، وكمان هيتقدملها عريس أحسن منه ألف مرة؟ حاول يبعت رسايل ندم، ويقول إنه كان غلطان، بس أنا كنت قفلت الباب ده ورميت مفتاحه في البحر.
يوم الخطوبة، وأنا لابسة فستاني وشايفة الفرحة في عين بابا ورقية وهارون، بصيت لنفسي في المراية وقلت: "شكراً يا رب.. شكراً يا بابا إنك علمتني إن الكرامة أغلى من الفلوس."
العريس الجديد دخل البيت، ومكنش بيبص لفلوسنا ولا لنجاحي، كان بيبص لي بكل احترام وتقدير، وقال لبابا كلمة عمري ما هنساها: "أنا جاي أطلب إيد بنت السبع، اللي عرف يربي ست بـ 100 راجل."
وقتها بس عرفت إن الفقر الحقيقي كان "سامر"، والغنى الحقيقي هو "أبويا" اللي كان سندي في وقت الشدة، وإن الصبر آخره دايماً جبر خاطر ملوش نهاية.
وبعد فترة من الجواز، حصل سوء تفاهم كبير بيني وبين عريسي الجديد "المهندس شريف".. مكنش معايرة ولا إهانة، لكنها كانت مشكلة من مشاكل البيوت العادية.
بابا استقبلني ، بس المرة دي مكنش عايزني استسلم للخوف. قالي بابتسامته الحكيمة: "البيوت يا بنتي مابتتبنيش من غير عفرة، بس المهم مين اللي بيعرف يمسح العفرة دي ويحافظ على البيت." وقرر إنه ياخدني ويرجعني لبيتي، وأصر إنه يعمل نفس الحركة اللي عملها زمان مع سامر.
وصلنا السلم، وسبقته وخبّطت على الباب، وبابا وقف ورايا بمسافة عشان يشوف "الاستقبال" المرة دي هيكون إيه. قلبي كان بيدق، وخايفة أسمع كلمة تجرحني تاني.
أول ما شريف فتح الباب وشافني، ملامحه اتغيرت تماماً.. مكنش فيها لا شماتة ولا تعالٍ، بالعكس، عينيه لمعت بلهفة حقيقية وقال: "نورتي بيتك يا أماني.. البيت كان ضلمة من غيرك، والزعل مكانه جوه بينا مش بعيد عننا." ومد إيده يمسك إيدي بمنتهى الاحترام والتقدير.
في اللحظة دي، بابا طلع من ورايا وهو وشه منور بالراحة. بص لشريف وقاله: "دلوقت بس يا ابني أقدر أقول إني اطمنت على بنتي بجد. أنا كنت واقف أشوف معدنك، والنهاردة أثبتّ لي إنك راجل وأصيل، وتعرف يعني إيه "سكن ومودة" مش بس "صرف وعيشة"."
شريف باس رأس بابا وقاله: "بنتك في عيني يا عمي، وكرامتها من كرامتي." بابا نزل السلم وهو رافع رأسه، وأنا قفلت الباب وأنا حاسة لأول مرة إني في "أمان" حقيقي، وإن عوض ربنا كان كبير لدرجة إنه مسح كل ذرة وجع
النهاية