بعد موت جوزي
جوزي ما,ت وأنا حامل في الشهر الرابع.
كلمة سهلة في النطق، بس تقيلة أوي في العيشة.
وبعدها بأقل من أسبوع، أمه حطّت فلوس كاش في إيدي، قرّبت من ودني، وهمست بصوت بارد يخوّف:
«روحي خلّصي من الحمل اللي في بطنك ده… وبعدها اطلعي من البيت ده ومترجعيش تاني أبداً».
ما صرختش.
ما عيّطتش.
ما توسّلتش.
فضلت واقفة مكاني، رجليّ على البلاط الساقع، وإيدي مغطيّة بطني من غير ما أحس، بحاول أفهم إزاي الوجع ممكن يتحوّل لقسوة بالشكل ده… وبالسرعة دي.
اسمي سلمى، عندي 28 سنة، وبشتغل مدرسة أطفال في حضانة صغيرة في وادي هادي في ولاية أوريجون. مكان هادي، الصبح فيه ريحة الأرض المبلولة والتفاح، ولسه الناس بتسلّم على بعض في الشوارع، ولسه الدنيا باين عليها طيبة.
من سنة بس، عمري ما تخيّلت إني أبقى واقفة في نيويورك، معايا شنطة واحدة، عنوان مكتوب على ورقة متكرمشة، وحياة جوا بطني حد شايفها عبء ومصيبة.
كريم كان جوزي.
راجل هادي وثابت، مهندس مدني، عينه صافية، وإيده دايمًا مطمّنة. من النوع اللي يحل المشكلة من غير ما يحسّسك إنك ضعيفة أو قليلة.
لما طلب إيدي، أهلي عيطوا من الفرحة. وحتى أمه، الحاجة ليلى، مسكت إيدي يومها وقالت:
«من النهارده إنتِ في أمان… إحنا عيلتك».
ولفترة… صدّقتها.
اتجوزنا ونقلنا شقتنا لشقة حلوة قوي، قال لي إنها هدية من العيلة.
عرفت المدينة معاه خطوة خطوة: خروجات الويك إند، قعدات قهوة، مطاعم على النواصي، ودرّاعه
لما عرفت إني حامل، ابتسم ابتسامة عمري ما أنساها، وحط إيده على بطني وقال:
«أخيرًا… إحنا بقى عيلة بجد».
وبعدين سافر شغل.
قبل ما يمشي، قال لي:
«استنيني… راجع قريب».
بعدها بيومين، التليفون رن.
كلمتين…
والدنيا وقعت.
ما عرفتش أصرخ.
ما عرفتش أعيّط.
فضلت ساكتة، كأن الصوت جوه صدري اتكسر.
العزا كان زحمة ورد، وناس بتقول كلام محفوظ عن الصبر والقضاء والقدر، وأنا واقفة وسطهم بس علشان جسمي ما كانش قادر يعمل غير كده.
الحاجة ليلى كانت بتعيّط بحرقة، والناس ملمومة حواليها تشفق عليها، وللحظة غبية افتكرت إننا بنحزن على نفس الشخص… سوا.
بس أول ما آخر واحد مشي، كل حاجة اتغيّرت.
بصّتلي نظرة فاضية، وقالت بصوت ناشف:
«إنتِ وش نحس. من ساعة ما دخلتي بيتنا والمصايب ورا بعض. الغلطة دي لازم تخلص قبل ما تكبر».
تاني يوم الصبح، رمتلي رزمة فلوس في إيدي.
وحطّت عنوان عيادة قدّام وشي وقالت:
«روحي العنوان ده… خلّصي من الحمل، وبعدها تمشي من هنا. البيت ده ما بقاش مكانك».
ما لحقتش أرد.
الباب اتقفل.
المفاتيح اتحطّت في الأقفال.
شنطتي نزلت على الرصيف كأني حاجة اتردّت لصاحبها.
وقفت في الشارع، تحت شمس المدينة، الفلوس متكرمشة في قبضة إيدي، سامعة صوت العربيات، والناس ماشية ورايحة جايّة، وكل واحد عنده حتة يروحها… غيري.
ما قدرتش أرجع لأهلي وأكسر قلبهم.
وما قدرتش أروح العيادة اللي
مش وإيدي بترتعش، والبيبي جوا بطني بيتحرّك كأنه بيقول: أنا هنا.
لفّيت كتير، لحد ما لقيت عيادة تانية.
صغيرة، هادية، في شارع جانبي محدش فيه بيركّز مع حد.
الدكتور كان راجل كبير في السن، شكله طيب.
كشف عليّ بهدوء، وبعدين لفّ الشاشة ناحيتي وقال:
«بصي… الجنين سليم، ونبضه كويس».
ساعتها…
ما استحملتش.
عيّطت.
عيّطت زي واحدة كانت حابسة نفسها من أيام.
الدكتور سابني لحد ما هديت، وبعدين قرّب وقال بصوت واطي مليان حنية:
«ما تستسلميش وتسيبي ابنك… تعالي معايا».
طريقة كلامه خلت جسمي يقشعر.
كأنه عارف أنا جيت منين.
كأنه فاهم قسوة الحاجة ليلى من غير ما أحكي.
وساعتها سألت نفسي سؤال واحد بس:
لو غريب مدّ لك طوق نجاة،
في وقت عيلتك نفسها قفلت الباب في وشك…
كنتِ هتمسكي فيه؟
حتى لو مش عارفة تمنه إيه؟
فضلت باصة للدكتور وأنا مش فاهمة هو قصده إيه بـ تعالي معايا.
عقلي كان تايه، بس قلبي كان ماسك في الكلمتين دول كأنهم آخر حبل نجاة.
قلت له بصوت مكسور:
– «يعني إيه؟»
ابتسم ابتسامة هادية، وقال:
– «يعني ما تخرجيش من هنا لوحدك. في أماكن بتشيل الناس من غير ما تسألهم جايين منين ولا معاهم إيه».
خدني من باب جانبي للعيادة، وعدّينا شارع صغير وراها، لحد مبنى قديم بس نضيف.
دار رعاية بسيطة… بس فيها دفء.
ريحة أكل، صوت ستات بتتكلم، وهدوء غريب حسّسني إني أخيرًا مش لوحدي.
ست كبيرة في السن، شعرها أبيض ووشها طيب،
– «أهلاً يا بنتي… إحنا مستنيينك».
الكلمة خبطت في قلبي.
مستنيينك؟
هو أنا كنت مستنية حد طول الوقت ده؟
قعدوني، جابولي مية، وسابوني أتكلم.
حكيت…
عن كريم، عن موته، عن الحاجة ليلى، عن الباب اللي اتقفل في وشي، وعن الخوف اللي كان بيكبر جوايا كل ما أحط إيدي على بطني.
ولا واحدة قاطعتني.
ولا واحدة استغربت.
وكأني واحدة من قصص كتير سمعوها قبل كده.
الست الكبيرة قالت بهدوء:
– «إنتي مش أول واحدة تتطرد وهي حامل، ومش أول واحدة تتحارب علشان مالهاش ضهر. بس صدقيني… مش كل اللي بيقفل باب يبقى كسب».
قعدت في الدار أيام.
كنت باصحى على صوت عصافير، وبنام وأنا سامعة دعاء ستات ما يعرفونيش بس شايليني في قلبهم.
بعد أسبوعين، جالي ظرف على اسمي.
خط إيد الحاجة ليلى.
كانت فاكرة إني روحت العيادة اللي هي اختارتها.
كانت فاكرة إن الموضوع خلص.
بتقولي في الورقة:
«خدي بالك، لو فكرتي ترجعي تطالبي بأي حاجة، أنا هخلّيكي تندمي».
قريت الرسالة وأنا ماسكة بطني… وابتسمت.
مش ابتسامة ضعف.
ابتسامة واحدة لسه عايشة.
الدكتور رجع يزور الدار بعد فترة، وسألني:
– «جاهزة تبدأي من جديد؟»
قلت له وأنا أول مرة صوتي ما يكونش مكسور:
– «أنا عمري ما كنت ضعيفة… أنا بس كنت لوحدي».
ساعدوني أرجع أوريجون.
رجعت لأهلي، وعيطنا سوا، بس المرة دي من غير خوف.
كملت حملي.
وفي ليلة مطر هادية، ولدت ولد…
سميته كريم.
وأنا شايلة ابني،
وافتكرت الفلوس،
وافتكرت الباب اللي اتقفل.
وعرفت ساعتها إن في أبواب بتتقفل علشان تفتح أبواب أنضف،
وإن في أوجاع بتيجي مش علشان تكسرنا…
علشان تعلّمنا نعيش من غير إذن من حد.
تمت. بقلم مشيره محمد