سر قديم في قلب الظلام حماده هيكل

لمحة نيوز

بنت صغيرة بتختفي سنة 1996… وبعد 10 سنين أبوها لقى حاجة غيّرت كل حاجة
كان محمود ماشي في سوق الجمعة في السيدة عائشة، والزحمة حوالينه كعادتها… باعة بينادوا، وريحة هدوم قديمة ممزوجة بتراب وذكريات.
وفجأة… عينه جت على عروسة شعرها أصفر.
وقف مكانه.
قلبه دق جامد.
كانت نفس العروسة… بالظبط… اللي بنته ياسمين ما كانتش بتسيبها من إيدها قبل ما تختفي من عشر سنين.
إيده اترعشت وهو بيشيل العروسة، وضغطها على صدره.
وفجأة…
في وسط دوشة السوق، سمع صوت طفلة واطي، كأنه جاي من بعيد:
"بابا… الحقني… أنا مش قادرة أخرج."
العروسة وقعت من إيده.
وشه اصفر.
كان متأكد…
ده صوت ياسمين.
كان صباح شتوي خفيف في يونيو سنة 2006، لما محمود عبدالسلام، عنده 52 سنة، دخل محل قديم اسمه "ذكريات زمان" في وسط البلد.
ريحة الخشب العتيق والهدوم القديمة مالية المكان، وهو ماشي وسط رفوف مليانة لعب مستعملة، تحف، وصور قديمة.
وجوده هناك ماكانش صدفة.
من يوم ما بنته ياسمين اختفت وهي عندها 8 سنين، وهو بقى مدمن لفّ على أسواق الروبابيكيا ومحلات المستعمل.
كان متعلق بأمل ضعيف… إنه يلاقي أي حاجة… أي خيط… يرجعه لبنته.
ياسمين عبدالسلام اختفت يوم 15 أغسطس 1996.
يوم عادي جدًا.
الساعة كانت 2 الظهر لما نزلت تروح لصاحبتها منى، اللي ساكنة تلات عمارات بس بعيد عنهم في شبرا.
الشارع كان آمن، والناس كلها عارفة بعض.
ياسمين مشيت المشوار ده عشرات المرات قبل كده.
بس اليوم ده… ماوصلتش.
الساعة

4 العصر، والدة منى اتصلت بأم ياسمين تسألها:
"هي ياسمين مش جاية؟"
في اللحظة دي… الدنيا وقعت فوق دماغ محمود ومراته نجلاء.
ياسمين ماوصلتش.
اختفت في مسافة أقل من 200 متر.
محمود فاكر كل تفصيلة.
كان في الورشة بتاعته لما نجلاء كلمته وهي بتعيط وبتصرخ:
"ياسمين ضاعت!"
رما المفك من إيده، وجري.
فتّش الشارع متر متر.
خبط على كل باب.
سأل كل جار.
بص تحت العربيات، ورا الأشجار، جوه العمارات.
والشرطة وصلت بعدها بوقت قصير.
المقدم حسام شوقي مسك القضية بنفسه.
أيام بحث مجنونة بدأت:
كلاب بوليسية.
متطوعين بيلفوا في الأراضي الفاضية.
قنوات محلية بتتكلم عن الموضوع.
بس ياسمين… كأنها فص ملح وداب.
التحقيق قال إنها كانت لابسة فستان وردي صغير، وصندل أبيض، ومشيلة عروستها المفضلة — باربي شعرها أصفر، كانت مسمياها "الأميرة".
عروسة ماكانت بتنامش من غيرها.
ياسمين كانت طفلة اجتماعية، بس ماكانت بتكلمش حد غريب.
فكرة إنها تمشي مع حد بإرادتها… كانت مستحيلة.
أول شهور كانت نار.
محمود أخد إجازة طويلة من الشغل.
لف مصر كلها تقريبًا.
علّق صورها في شبرا، رمسيس، العتبة، حتى في المحافظات القريبة.
طلع في برامج تليفزيون.
عرض مكافأة كبيرة.
بس سؤال واحد فضل معلق في الهوا:
ياسمين راحت فين؟
ولما مسك العروسة في سوق الجمعة بعد 10 سنين…
ماكانش يعرف إن اللحظة دي هتفتح باب…
كان مقفول بقاله سنين

محمود ماكانش بيسمع غير دقات قلبه.
صوت السوق اختفى فجأة… وبقى واقف لوحده

وسط الناس، ماسك العروسة بإيده المرتعشة.
"بابا… الحقني… أنا مش قادرة أخرج."
بص حواليه بسرعة.
في طفلة كانت واقفة جنب ست كبيرة، بتبصله باستغراب.
قرب منها وقال بصوت مكسور:
— إنتِ قولتي حاجة؟
هزّت راسها:
— لأ يا عمو.
بلع ريقه.
يمكن بيتخيل. يمكن عقله بيلعب بيه.
بس وهو بيقلب العروسة بين إيده… حس بحاجة صلبة جوه جسمها.
ضغط عليها تاني.
صوت خافت جدًا طلع منها…
صوت تسجيل قديم، متقطع.
قلبه وقف.
بص للبائع:
— العروسة دي جت لك منين؟
الراجل حكّ راسه:
— والله يا بيه إحنا بناخد بضاعة بالكيلو من بيوت بتتفضى… شقة في شبرا اتباعت من أسبوع.
شبرا.
نفس الحي.
إيده بدأت تعرق.
خد عنوان الشقة من البياع بعد ما دفعله ضعف تمن العروسة، وجري على عربيته.
الشقة
العمارة كانت قديمة، دهانها واقع.
الشقة في الدور التالت.
البواب قال إن صاحبها مات من شهر، وكان راجل عايش لوحده اسمه عماد سليم.
اسم ماكانش معروف لمحمود.
الشقة كانت لسه فاضية، ولسه فيها حاجات متباعة.
دخل…
ريحة رطوبة قديمة.
جدران مصفرة.
وهدوء تقيل.
وقف في نص الصالة.
حس برجفة.
العروسة في إيده طلعت الصوت تاني لما ضغط عليها.
المرة دي سمع بوضوح:
"بابا… أنا هنا… في الأوضة اللي فيها النجمة على الحيطة…"
جسمه اتجمد.
النجمة؟
جري على الأوضة الوحيدة اللي بابها نص مقفول.
دخل…
وكانت المفاجأة.
على الحيطة… مرسومة نجمة صغيرة بقلم أحمر باهت.
قرب منها، لمسها.
الدهان تحت النجمة كان مختلف شوية.
خبط عليه.
الصوت…
مفرّغ.
اتصل فورًا بالشرطة.
الحقيقة
بعد تكسير جزء من الحيطة…
لقوا فجوة صغيرة، مخبأ متقفل من زمان.
جوه… صندوق خشب.
وفيه…
صور.
صور لياسمين.
صور حديثة نسبيًا… مش سنة 1996.
كانت أكبر. في سن المراهقة.
وقلب محمود اتكسر… وبعدين اتجمع تاني.
لأن الصور ماكانش فيها خوف.
كان فيها حياة.
كان واضح إن حد كان مخبيها… ومغير اسمها.
التحقيقات الجديدة كشفت إن عماد سليم كان بيزور ملجأ أطفال قريب،
وفي سنة 1997 اتبرع بطفلة مجهولة الهوية، قال إنه لقاها تايهة ومش عارفة عنوان بيتها.
الملجأ سمّاها "يُمنى".
ومحدش ربط.
المواجهة
بعد بحث في سجلات الملجأ…
لقوا العنوان.
بنت عندها 18 سنة… طالبة في معهد.
اسمها يُمنى عماد.
لما شافها أول مرة…
وقف قدامها وهو بيرتعش.
هي بصتله باستغراب.
لكن لما طلع من جيبه صورة قديمة…
وعروسة باربي بشعر أصفر…
عينها وسعت.
دموعها نزلت فجأة.
وقالت بصوت مبحوح:
— بابا؟
اللي حصل
اتضح إن عماد كان خطفها بدافع مرضي…
بس بعد شهور خاف ينكشف، فحطها قدام ملجأ وادّعى إنه لقاها.
وهي كانت صغيرة، ومصدومة، واسمها اتغيّر.
الذكريات فضلت جواها ضباب.
لكن العروسة…
كانت فيها مسجل صوت صغير حاطه محمود زمان كهدية،
مسجل فيه صوته بيقول:
"لو ضيعتي يا ياسمين… افتكري إن بابا بيدور عليكي."
الصوت ده هو اللي كان بيشتغل لما تضغط عليها.
وهو اللي خلى الذاكرة ترجع.
النهاية
في 2007…
رجعت ياسمين بيتها.
مش الطفلة اللي خرجت بفستان وردي…
لكن شابة قوية عدّت
بكابوس.
محمود ما بطلش يلف على أسواق الروبابيكيا بعدها.
بس مش عشان يدور.
عشان كل ما يشوف عروسة قديمة…
يفتكر إن الأمل، حتى لو مدفون عشر سنين…
ممكن يطلع للنور فجأة

تم نسخ الرابط