ألقوا والدهم في البحر
البحر لم يقهرني. لكنكم أنتم لقد قتلتم أباكم بأيديكم.
أمضى خوسيه أرليندو معظم حياته مؤمنا بأن الحب مثل البحر يعود دائما. قد ينسحب قد يبرد وقد يصبح خطرا لكنه في النهاية يعود إلى الشاطئ. هكذا أحب لورديس قرابة ستين عاما. وهكذا ربى أبناءه. وهكذا وثق في الدم الذي يحمل الاسم نفسه.
ولد قبالة المحيط في شريط ساحلي كانت البيوت فيه تقام بخشب مالح وصبر موروث. قبل أن يتعلم القراءة كان يعرف كيف يميز صوت موجة تحمل السمك من صوت موجة لا تحمل سوى الريح. كان البحر مدرسته وحكمه وملاذه. لم يخنه يوما. لم يكذب عليه قط. ولم يعده أبدا بما لا يستطيع الوفاء به.
ومع لورديس تعلم نوعا آخر من المد والجزر مد الطباع البشرية. كانت ثابتة حيث كان هو لينا وصامتة حيث كان هو كثير الكلام. لعقود طويلة كانا واحدا. حين مرضت شاخ خوسيه فجأة. وحين ماتت انكسر شيء في داخله بلا صوت. ظل يتنفس ويمشي ويصطاد لكنه لم يعد ينتظر شيئا.
أما أبناؤه فكانوا ينتظرون.
برونو الابن الأكبر كان قد كف منذ سنوات عن النظر إلى أبيه كإنسان وبدأ يراه كمتغير. لم يكن البيت المطل على البحر منزلا بل أصلا. ولم تكن القارب ذكرى مشتركة بل رأس مال مجمد. أما الأرض
تياغو الابن الثاني كان يعيش عالقا بين الولاء والخوف. يرى التوتر يثقل في كل وجبة وفي كل حديث غير مكتمل لكنه يختار ألا ينظر طويلا. كان يعلم أن شيئا ما يتعفن وكان يعلم أيضا أن تسميته تعني مواجهته.
كارلا الابنة الصغرى كانت الوحيدة التي ما زالت تصغي إلى خوسيه. الوحيدة التي تجلس إلى جانبه بلا استعجال. الوحيدة التي فهمت أن صمته لم يكن فراغا بل حزنا.
كان خوسيه يشعر بكل شيء النظرات النافدة والجمل التي تنتهي قبل أن تبلغ آخرها والنقاشات التي تتوقف حين يدخل الغرفة. ومع ذلك ظل يؤمن بأن الزمن سيصلح ما كانت الطموحات تفسده. لأن الأب يريد أن يصدق. ولأن الاعتراف بعكس ذلك أشد إيلاما من أي جرح.
جاء اقتراح النزهة بالقارب مغلفا بحنين زائف. تحدث برونو عن تكريم لورديس وعن استعادة الذكريات وعن الخروج معا كعائلة. وافق خوسيه من دون تردد. كان البحر مكانا مقدسا لديه. هناك كان يشعر بالأمان.
كانت السماء ملبدة غريبة كأنها تحبس أنفاسها. مضى المحرك أبعد من المعتاد. لاحظ خوسيه ذلك لكنه لم يقل شيئا. كان يثق. لطالما وثق.
وكان برونو هو
لم تكن هناك صرخات. ولم يكن هناك غضب ظاهر. كانت هناك كلمات باردة موزونة محسوبة. قال إن الوقت قد حان. وإن خوسيه قد عاش ما يكفي. وإن البيت والقارب والأرض يجب أن تنتقل إلى أيد تعرف كيف تستفيد منها. وإن التعلق بالماضي أنانية.
نظر إليه خوسيه. لا بغضب ولا بخوف بل بحزن عميق يشبه الإرهاق. حاول أن يرد لكن الدفعة جاءت قبله. حادة. نهائية.
كان الماء شديد البرودة.
سلبه الاصطدام أنفاسه كما لو أن صدره انطبق على نفسه فجأة. دخل الماء فمه وأنفه قبل أن يفهم ما حدث قبل أن يدرك أن الأرض لم تعد تحته وأن السماء صارت فوقه بعيدة مشوهة تتكسر إلى شظايا ضوء. لم تتعرف عليه الأمواج. لم تحمله كما كانت تفعل دائما. البحر الذي كان حليفه طوال حياته رفيقه الصامت لم يصنع استثناء في ذلك المساء. كان باردا قاسيا محايدا كما لو أنه يقول له الآن أنت مثل الجميع.
تحرك جسده من تلقاء نفسه. لم يكن تفكيرا واعيا بل ذاكرة قديمة سكنت العضلات والعظام. سبح بدافع الغريزة بذاكرة الجسد بعناد خالص تشكل عبر عقود من الصيد والعواصف. كانت ذراعاه تتحركان كما تحركتا آلاف المرات لكن الهواء لم يكن هناك والماء كان أثقل من المعتاد. شعر بأن
سمع صرخة بعيدة مكتومة كأنها تأتي من عالم آخر. لم يعرف إن كانت حقيقية أم من نسج عقله. ثم رأى وجه كارلا مشوها بالخوف عينيها واسعتين فمها مفتوحا بلا صوت. رأى تياغو جامدا في مكانه كأن جسده خانته فجأة كأن الحركة صارت فعلا مستحيلا. ورأى القارب يبتعد ببطء مؤلم لا لأن المحرك كان سريعا بل لأن الأمل كان يتلاشى.
في تلك اللحظة لم يشعر بالغضب. لم يشعر بالخيانة كما تخيل الإنسان دائما أنها تكون. شعر فقط بثقل هائل بثقل السنوات وبأن التعب الذي كان يؤجله قد وصل أخيرا. فكر في لورديس كما يفكر المرء في وطن ضائع. تذكر صوتها وهي تناديه من الشاطئ وطريقتها في لف الشال حول عنقها حين تهب الريح. تذكر كيف كانت تعرف متى يعود حتى قبل أن يظهر القارب في الأفق.
فكر في أبنائه وهم صغار حفاة بأيديهم الممتلئة بالرمل يركضون نحوه حين يعود بالصيد. تذكر ضحكاتهم وملابسهم المبللة وكيف كان يظن أن كل ذلك سيكفي ليبقوا قريبين منه إلى الأبد.
وفكر للمرة الأولى أنه ربما أخطأ. ليس لأنه وثق بل لأنه ظن أن الصمت حماية وأن الانتظار حكمة وأن الحب وحده يكفي ليهزم الطمع.
وحين غطى الماء وجهه وحين بدأ