عاملوني كخادمة… فتعلموا درسًا لن ينسوه

لمحة نيوز

كان الديك الرومي الضخم الذي يقارب وزنه عشرين رطلا شاهدا على إنهابي قبل أن يكون طبقا على مائدة عيد الميلاد. وضع على الرخامة يلمع بطبقة تغليف صنعتها بيدي من مكونات تعبت في تحضيرها منذ الفجر تفوح منها رائحة دافئة توحي بالاحتفال. لكنني لم أشم فيه دفء الأعياد بل شممت فيه مرارة الاستغلال.
كانت قدماي متورمتين من الوقوف الطويل وظهري يئن كأن ثقل اليوم بأسره ارتكز على فقرتي القطنية. كنت في شهري السابع ومع ذلك بدأت العمل منذ الخامسة صباحا أقطع وأرتب وأطهي وأنظف وألمع وكأن البيت كله ينتظر أن أثبت استحقاقي للوجود فيه.
شق صوت سيلفيا حماتي هواء المطبخ كحد سكين. لم تكن تتحدث كانت تصرخ
آنا! أين صلصة التوت طبق ديفيد جاف!
مسحت يدي بمريولي الملطخ وقلت بصوت متعب
حاضر يا سيلفيا سأحضرها من الثلاجة.
دخلت غرفة الطعام فإذا بها تبدو كصفحة من مجلة فاخرة كؤوس كريستال أدوات فضية ومدفأة تشتعل بنار أنيقة. كان زوجي ديفيد يجلس في صدر المائدة يضحك مع زميله مارك الشريك الأصغر في مكتبه.
بدا ديفيد وسيما في بدلته الداكنة ناجحا كما يحب أن يظهر دائما ذلك الرجل الذي ظننت قبل ثلاث سنوات أنني تزوجته محام طموح لبق وعدني بأنه سيكون سندا لي. لكنه لم يلتفت إلي وأنا أضع وعاء الصلصة على المائدة كأنني جزء من الأثاث.
قالت سيلفيا ببرود جاف وهي تتفحص الطعام
أخيرا.
ثم نخست الديك

الرومي بشوكتها وقالت
هذا الطائر يابس يا آنا. هل التزمت بما قلته لك
قلت همسا وصوتي مخنوق من التعب
نعم يا سيلفيا فعلت كما طلبت.
لوحت بيدها كأنها تطرد فكرة سخيفة
إذا لا بد أنك أخطأت. اذهبي وأحضري الصلصة السائلة لعلها تنقذ ما يمكن إنقاذه.
نظرت إلى ديفيد أبحث عن كلمة رحيمة عن نظرة تقول اهدئي لكنه كان يدير كأسه ويستمتع بحديثه. ترددت ثم قلت بخفوت
ديفيد ظهري يؤلمني كثيرا. هل يمكنني أن أجلس دقيقة أشعر بإرهاق شديد.
توقف عن الضحك ونظر إلي بضيق بارد
آنا لا تبالغي. مارك يحكي لنا عن قضية مهمة. لا تقاطعي.
قلت بتوسل
لكن
قاطعني بنبرة مصطنعة اللطف أمام الناس
فقط أحضري الصلصة يا عزيزتي آسف هرمونات الحمل تجعلها حساسة.
ضحك مارك ضحكة محرجة وهو يتهرب بعينيه
لا بأس يحدث هذا أليس كذلك
عدت إلى المطبخ وأنا أبتلع دمعة حاولت أن تخرج. لم يكن السبب ألم ظهري وحده. كان شيء أعمق الإهانة الصامتة التي تتكرر حتى تصير عادة.
كنت ابنة ويليام ثورن. نشأت بين رفوف كتب القانون العتيقة في بيت تناقش فيه القضايا الكبرى على طاولة الطعام. حضرت مناسبات رسمية في العاصمة وعرفت وجوها لا تذكر أسماؤها عادة إلا في نشرات الأخبار. لكن ديفيد لم يكن يعرف ذلك وسيلفيا لم تكن تعرف. وقد ظننت أن إخفاءه سيمنحني حبا خالصا لا علاقة له بالاسم والمكانة.
حين تعرفت إلى ديفيد كنت متمردة على إرث
أبي وضغط اسمه. أردت أن يحبني لذاتي لا لنسبي فقلت له إنني بعيدة عن عائلتي وإن والدي رجل متقاعد يعيش حياة هادئة بعيدا عن الأضواء. ظننت أنني أبحث عن حب حقيقي لكنني دون أن أشعر منحته صورة امرأة بلا سند فشعر بالقوة وهو يمسك زمامها.
رجعت إلى غرفة الطعام بحاملة الصلصة وكانت ساقاي ترتجفان من الإجهاد. لمحت الكرسي الفارغ بجانب ديفيد مهيأ كأن مكانا ينتظر ومع ذلك لم يكن لي.
لم أعد أستطيع الوقوف أكثر. سحبت الكرسي وجلست لا تحديا بل لأن جسدي كاد يخذلني.
صدر صرير رجلي الكرسي على الأرض الخشبية فسكتت الغرفة كلها.
قالت سيلفيا بصوت منخفض يحمل تهديدا واضحا
ماذا تظنين نفسك فاعلة
قلت وأنا أتمسك بظهر الكرسي
أحتاج أن أجلس دقيقة فقط لأتناول لقمة.
نهضت سيلفيا وصفعت الطاولة بكفها حتى ارتجت الأدوات
الخدم لا يجلسون مع العائلة.
تجمدت. قلت بارتباك وحزم خافت
أنا زوجته يا سيلفيا وأنا أحمل طفل العائلة.
رمقتني باحتقار
أنت فتاة لا تجيد حتى طهي ديك رومي كما ينبغي. ستأكلين في المطبخ بعد أن ننتهي واقفة. هذه قواعد هذا البيت. اعرفي مكانك.
نظرت إلى ديفيد زوجي الرجل الذي يفترض أن يكون ظهري وسندي.
ديفيد قلت برجاء.
رفع كأسه وتجاهلني بعينين لا تريدان رؤية الحقيقة وقال ببرود
استمعي إلى أمي يا آنا. هي تعرف الأفضل. لا تفتعلي مشهدا أمام مارك. اذهبي إلى المطبخ.
في تلك اللحظة
اشتد التعب علي وشعرت بدوار مفاجئ وألم حاد جعل أنفاسي تتقطع. وضعت يدي على بطني وقلت بصوت مرتجف
ديفيد هناك شيء ليس على ما يرام أشعر بألم شديد.
صرخت سيلفيا وهي تشير بيدها إلى باب المطبخ
اذهبي!
استدرت وتعثرت خطواتي ومالت الدنيا حولي كأنها تفلت من توازني.
حاولت أن أتماسك وأن أمضي كما أرادوا لكن الألم كان أقوى من الكبرياء وأقوى من محاولتي أن أبدو مطيعة. توقفت قرب الرخامة أستند إليها كي لا أسقط.
سمعت سيلفيا خلفي تصرخ
قلت تحركي!
كانت قد لحقت بي إلى المطبخ. رأيت في وجهها غضبا قبيحا لأنها لم تحتمل أنني اعترضت ولو بالجلوس.
قلت بصعوبة
لا أستطيع من فضلك نحتاج مساعدة طبية.
لكنها لم تصغ. اندفعت نحوي بعنف ودفعتني. لم أستطع تثبيت قدمي المتورمتين وفقدت توازني وسقطت.
تجمع الناس حولي وتداخلت الأصوات وشعرت أن البيت كله يدور. لم أعد أرى بوضوح. لم أعد أسمع إلا كلمات متقطعة واتهامات ولوما كأنني أنا السبب في كل شيء.
دخل ديفيد ومعه مارك. بدلا من أن يبادر إلى إنقاذي بدا منزعجا من الفوضى منشغلا بالصورة أمام الضيف أكثر من انشغاله بي.
قال مارك بقلق
يجب أن نطلب مساعدة فورا.
لكن ديفيد قاطعه بعصبية
لا داعي لتضخيم الأمر لا أريد مشاكل ولا كلاما من الجيران.
كنت أحاول أن ألتقط أنفاسي وأستوعب ما يحدث وأحاول أن أستجمع ما تبقى من صوت
أرجوك اتصلوا بالطوارئ
رفض ديفيد
بعناد وكأن الضعف فضيحة وكأن الألم إحراج اجتماعي. ثم
 

تم نسخ الرابط