ولد هدومه متقطعه

لمحة نيوز

ولد هدومه مقطعة وحافي رجليه اتسلل بهدوء لجوه محل مجوهرات من أفخم محلات وسط البلد، المحل كان مليان نور ولمعان، الإزاز بيبرق، والدهب مترصّص كأنه كنز، والتكييف ساقع يخلي الواحد يقشعر، والريحة ريحة برفيومات غالية عمرها ما عدت على شارع جانبي ولا على عيال بتنام على الرصيف، الستات واقفين قدام الفترينات بيقارنوا بين الخواتم، والرجالة لابسين بدلات سودا وبيقلبوا في ساعات تمنها يفتح بيوت، وفي وسط الجو ده كله الباب الإزاز اتفتح على الآخر ودخل ولد صغير اسمه بوبوي، عنده 12 سنة، جسمه نحيف كأنه شايل الدنيا فوق ضهره، لابس فانلة مقطعة باينة من كتر الغسيل، ماسك كيس بلاستيك أسود باين إنه تقيل، رجليه مليانة طين وتراب، وكل خطوة بيخطوها بتسيب علامة على الأرضية اللامعة، العيون اتشدّت عليه في ثانية، همس، نظرات احتقار، واحدة شدّت شنطتها ناحية صدرها، واحد بص له من فوق لتحت كأنه وسخ، قبل ما الولد حتى ينطق، حارس الأمن عم كاردو اتحرك بسرعة، وشه قلب، صوته علي، قاله بحدة مفيش شحاتة هنا اطلع بره، المكان ده مش ليك، بوبوي ما ردش ولا بصله، كمل مشيه على الكاونتر بخطوات هادية بس ثابتة، الحارس زعق تاني ومد إيده يمسكه من هدومه، في اللحظة دي الولد مسك الكيس من طرفه وقلبه كله مرة واحدة على الترابيزة الإزاز، صوت العملات المعدنية دوّى في المكان، كلينك كلاك كلانك، آلاف الجنيهات فكة، جنيهات وخمسة وعشرة، سودة من الزمن، في عملة لازق فيها علكة،

وفي واحدة محنية من كتر ما لفّت في الشوارع، المكان كله سكت، الحارس اتجمد، الزباين قربوا، في اللحظة دي المديرة الأستاذة كارلا خرجت من مكتبها على الصوت، سألت في إيه، الحارس اتلخبط وقال كان بيعمل دوشة وأنا بطرده، بوبوي رفع عينه وقال بصوت واطي بس مليان قوة أنا مش شحات، أنا جاي أفك حاجة بتاعة أمي، وطلع من جيبه ورقة رهن متكرمشة ومتوسخة، كارلا مسكتها وقرت التفاصيل، سلسلة دهب بدلاية، مترهونة من سنة، بصت للولد وقالت بهدوء الفوايد زادت والمبلغ بقى خمسة آلاف جنيه، متأكد معاك؟ بوبوي شاور على الفلوس وقال أيوه، خمسة آلاف ومتين وخمسين، عدّتهم تلات مرات امبارح، كارلا بصت لصوابعه المتشققة المجروحة وقالتله جمعت ده كله إزاي؟ قالها بلم زجاجات، جرائد، خردة، اشتغلت في الشمس والمطر، سنة كاملة، وبص في الأرض وكمل أمي رهنت السلسلة لما جالي حمى الضنك، مكنش معانا فلوس دوا، كانت بتعيّط علشان السلسلة دي هدية من جدتي، بكرة عيد ميلادها، وأنا عايز أفرّحها، الصمت نزل تقيل على المكان، واحدة من الزباين دمعت، راجل لف وشه، الحارس نزل العصاية من إيده وحاسس إنه صغير، كارلا دخلت المخزن وطلعت بالسلسلة، دهب بسيط بس له روح، حطّته في علبة مخمل حمرا ورجعت للولد، مدتهاله وقالت خدها، بوبوي زق الفلوس وقال دي الفلوس، مسكت إيده وقالت لا، خلي فلوسك، السلسلة دي هدية، الولد اتخض، عينه وسعت، صوته اتكسر وقال بجد؟ كارلا ابتسمت وقالت بجد، وادته كيس صغير
فيه أكل، والحارس طلع من جيبه ورقة وقاله لو احتجت شغل تعالى، بوبوي خرج من المحل والناس بتبصله بنظرة مختلفة، مش شحات، مش وصمة، طفل شال هم أكبر من سنه، جري في الشارع والسلسلة في حضنه كأنه كنز، وصل البيت الصغير اللي فيه أمه، فتح العلبة قدامها، أمه انهارت في العياط، وقالت انت أغلى من أي دهب، وفي اللحظة دي بوبوي عرف إن تعبه ما راحش، وإن الدنيا رغم قسوتها لسه فيها قلوب بتفهم.

بعد اللي حصل في محل المجوهرات، بوبوي خرج وهو مش حاسس برجليه، الشارع كان زحمة وأصوات الكلاكسات مالية الدنيا، بس هو كان سامع صوت واحد بس، دقات قلبه اللي كانت بتخبط من الفرحة والخوف في نفس الوقت، كان خايف السلسلة تطلع حلم ويصحى منه، كل شوية يفتح العلبة يبص عليها ويتأكد إنها لسه موجودة، مسكها بإيده كأنه ماسك روح أمه نفسها، جري لحد البيت الصغير اللي عايشين فيه، أوضة واحدة وسقف واطي وريحة شاي مغلي دايمًا، فتح الباب وهو بينهج، أمه كانت قاعدة على الأرض بتفرد هدوم مغسولة، رفعت عينها أول ما شافته وقالت بقلق اتأخرت ليه يا بوبوي، إنت كويس؟ الولد ما ردش، قعد قدامها، فتح العلبة ببطء، لما السلسلة لمعت قدام عينها الزمن وقف، إيديها رعشت، شهقت، دموعها نزلت قبل ما تتكلم، قالت بصوت مكسور دي… دي سلسلتي؟ إزاي؟ بقال جمعتها سنة، علشان عيد ميلادك، الأم كأنها خايفة يطير منها، وقالت انت أغلى من الدنيا كلها، في الليلة دي ناموا وهما حاضنين بعض، والسلسلة تحت المخدة،

لكن الدنيا ما بتقفش عند لحظة حلوة، تاني يوم الصبح صحوا على خبط على الباب، صاحب البيت، بيطالب بالإيجار المتأخر، صوته عالي وكلامه ناشف، الأم حاولت تشرح، بس هو كان قلبه حجر، قالها أسبوع واحد وإلا تمشوا، بوبوي سمع الكلام كله وهو واقف ورا الباب، لأول مرة الفرحة اتكسرت شوية، نزل الشارع تاني يوم بدري، اشتغل أكتر، شال أكياس تقيلة، جرح إيده، بس كمل، في نفس الوقت، الأستاذة كارلا ما نسيتش بوبوي، صورته ما راحتش من دماغها، حكت القصة لصاحب المحل، راجل كبير في السن، هادي، سمع وسكت وبعدين قال الولد ده مش محتاج صدقة، محتاج فرصة، بعد أسبوع بوبوي كان ماشي قدام المحل بالصدفة، الحارس نده عليه، قلبه وقع، فاكر إنهم هيطردوه، لكن كارلا خرجت وابتسمت وقالتله تعال يا بوبوي، عايزينك تشتغل معانا بعد المدرسة، ترتيب وتنضيف ومساعدة، أجر يومي، الولد وقف مش مصدق، قال بجد؟ قالت بجد، ومن اليوم ده حياته ابتدت تتحرك خطوة خطوة، الصبح مدرسة، وبعد الضهر شغل، كان بيتعلم أسماء المجوهرات، يلمع الإزاز، يسمع حكايات الناس، وبعد شهور بقى معروف في المحل، الزباين تسأل عليه، والفلوس بقت تكفي الإيجار والأكل، أمه صحتها اتحسنت، الضحكة رجعت لوشها، وبعد سنة، في يوم زحمة، دخل ست كبيرة في السن بصّت لبوبوي وقالت أنا عايزة أتعامل مع الولد ده، في عينه أمان، كارلا ابتسمت، لأن أحيانًا أغلى حاجة في الدنيا مش الدهب، أغلى حاجة قلب اتربى على التعب، ولسه بيعرف يحب.

تم نسخ الرابط