كنت تلميذة في المرحلة المتوسطة، خجولة إلى حد ما للكاتبة سميحة بولبروات
تقول:
كنت تلميذة في المرحلة المتوسطة، خجولة إلى حد ما، وكان بين زملائي من لا يعرفون للخجل معنى، ورغم كل تلك الفوضى التي كانوا يحدثونها، والأذى الذي كانوا يتسببون به للآخرين، إلا أني ومن شدة خوفي منهم، لم أتدخل بينهم يوما، لم أعارض، لم أستنكر، ولم أحاول منعهم حتى.
إلى ان أتى ذلك اليوم، كان الجو ماطرا، وبسبب غياب الأستاذ سمحت لنا الإدارة بالمكوث داخل القسم، وخلال ذلك، وجد أولئك المشاغبون فرصتهم لتمضية وقتهم، وهذا عبر التسلية بأذية من لا يجرؤون على مواجهتهم، فكنت انا ضحيتهم في تلك المرة، أخذوا يومها مقلمتي وباشروا تداول رميها بين بعضهم البعض، كانوا يفعلون ذلك وسط ضحك ساخر من طرازها القديم، كل ذلك ظل يحصل دون أي محاولة مني لكبحهم، لم أعارضهم، لم أمنعهم، ولم أطارد مقلمتي حتى، وهذا ما أصابهم سريعا بالملل، فقرروا مضاعفة أذاهم، فقاموا بفتحها ورمي محتوياتها أرضا، لعلي أحرك ساكنا، فتزيد بعدها متعتهم، لكني رغم كل ذلك لم أفعل شيئا، ليس لأنها ليست بتلك الأهمية، بلي لشدة خوفي مما قد يفعلونه لو واجهتهم، فبقيت ساكنة في مكاني
لم ينته الأمر هنا كما هو متوقع، فبعد تفقدي لمحتويات مقلمتي، بدا لي أن هناك أمرا ناقصا، فكررت البحث مجددا، لكني لم أعثر له على اثر!
لقد أخذوا العشرين دينارا الأخيرة التي كانت في حوزتي، والتي كنت سأدفع بها تكاليف الحافلة، وهذا اثناء عودتي للمنزل، فبيتنا بعيد، ويستحيل التوجه نحوه سيرا على الأقدام، خصوصا في هذا الجو الماطر، فالنهار سرعان ما يختفي في الشتاء ويحل الظلام محله، فكيف سأذهب ومتى سأصل؟
هل أطلب من قابض الحافلة مسامحتي؟ ماذا لو لم يفعل!؟ اكيد انه سيسمعني أمام الجميع ما لم اتخيل سماعه يوما!
ماذا لو اقترضت من إحدى زميلاتي؟ لكن من أين سأعيدها لها، ستوبخني والدتي ان ادركت أني أضعتها، وقد لا تصدق ان هؤلاء الأوغاد
وسط دوامة الأفكار تلك، ورغم قمة العجز والضعف التي كنت أعيشهما، إلا انه لم يكن لدي خيارا آخر سوى مواجهتهم مهما كان الثمن، فلم يعد الأمر متعلقا بمجموعة صبيان طائشين ارادوا فقط التسلية، بل أصبح أكبر مما يمكن لهم تخيله، فرغم خشيتي من ردة فعلهم سابقا، إلا أن خوفي من كيفية عودتي لمنزلي كان أكبر، فهزم خوفي الأكبر خوفي الأصغر، وقررت الوقوف في وجههم واتهامهم مباشرة بسرقتها، ليس هذا فقط، بل هددتهم ان لم يقوموا بإعادتها فورا سأشكوهم مباشرة للادارة.
لم أعلم من أين اتتني تلك القوة المفاجئة، لم أكن شجاعة كما بدوت، ولا حتى بتلك القوة، بل كنت في قمة انهياري الداخلي، لكنه الخوف الذي اعتراني فجأة، فحولني لشخص آخر لم أكد أعرفه.
غريب! كيف يهزمنا الخوف للحظة، ثم ينتصر لنا بطريقة لم نكن أبدا نتخيلها!
حينها انتابهم الضحك استخفافا بكلامي وقدرتي، وتقليلا من قيمة المبلغ، فلم يسمح لهم تفكيرهم المحدود بإدراك أن تلك القطعة التي سيشترون بها بعضا من الحلوى فقط، يمكن ان تكون أمانا واطمئنانا
لكن سرعان ما تلاشت البسمة من ملامحهم حينما رأوني أطبقها فعلا.
ففي الوقت الذي كنت أقترب فيه من الإدارة، لحقوا بي سريعا وهم يعيدونها إلي، على شرط ألا أبلغ عنهم.
حينها نظرت نحوهم في اشمئزاز، ثم استعدت نقودي منهم بقوة وعدت لقسمي، بينما تركتهم خلفي في حيرة من أمرهم.
ورغم أني لم أطالبهم بشيء بعدها، إلا أن ردة فعلي المباغتة تلك، جعلتهم يمتنعون عن تكرار ذلك معي ثانية، وهذا ما منحني ثقة وقوة كبيرين.
صحيح أن خوفي هو الحلقة التي منحتهم الجرأة للإساءة إلي ولو مزاحا ثقيلا، إلا أنه هو نفسه من أعاد إلى ثقتي بنفسي.
ففي اللحظة التي ظلوا يعتبرونها فيها مجرد عشرين دينارا فقط، إلا أنها لم تكن بالنسبة لي أبدا كذلك، بل كانت عشرين دمعة، خفقة، رجفة، عشرين ثانية من الأمان وانا أقدمها للقابض دون ان أعاتب على استهتار لم أقترفه، والأهم تلك القوة التي اكتسبتها بعدها، فإن رأيت شخصا قويا في مواقفه، كلامه، أفعاله، فليس بالضرورة ان يولد بالفطرة عليها، بل كثيرا ما يكون لخوفه الشديد دور كبير فيها. ♡
للكاتبة #سميحةبولبروات