كان ابن المليونير يتألم بلا انقطاع حتى وصلت المربية
كان بكاء الطفل يعلو ثم يخفت ثم يعود أشد كأنه موج لا يعرف الشاطئ.
لم يكن بكاء جوع ولا خوف عابر بل صرخة ممتدة حادة تخترق الجدران السميكة للقصر كما تخترق السكين اللحم.
وقف أليخاندرو سالغادو في منتصف غرفة مكتبه الهاتف ملتصق بأذنه ويده الأخرى ترتجف على حافة المكتب الزجاجي. خلف النوافذ الممتدة من الأرض إلى السقف كانت أضواء مكسيكو سيتي تتلألأ تحت المطر مدينة كاملة تلمع بالحياة بينما كان بيته غارقا في العجز.
قال بصوت أجش لا يخلو من انكسار مكتوم
لا يهمني الثمن. أريد أفضل طبيب أعصاب في البلاد. الليلة أو صباح الغد على أبعد تقدير. ابني لم يتوقف عن البكاء منذ ثلاثة أسابيع.
أغلق الخط قبل أن يسمع الرد.
مرر كفيه على وجهه كأنه يحاول محو التعب أو الذنب أو الخوف لكنه لم ينجح في أي منها.
من الطابق العلوي عاد الصوت.
بكاء توماس.
سبع سنوات فقط ومع ذلك كان صوته يحمل ثقل رجل يتألم منذ عمر كامل.
صرخات طويلة متقطعة تختنق أحيانا ثم تنفجر من جديد كأن الألم لا يجد مخرجا إلا الحنجرة.
أليخاندرو الذي بنى إمبراطورية عقارية تقدر بمليارات البيزوهات والذي لم يهزم في صفقة واحدة منذ عشرين عاما كان عاجزا أمام هذا الصوت.
دخلت لوسيا فيرير الغرفة بهدوء مصطنع تحمل كأس نبيذ أحمر ترتدي فستانا أنيقا كأنها خارجة للتو من حفل لا من بيت ينهار من الداخل.
توقفت عند
هذا الطبيب الرابع عشر أليس كذلك.
التفت أليخاندرو نحوها بعينين محمرتين.
هل تسمعين ما أسمعه هذا ليس دلالا لوسيا. هذا ألم.
رفعت كتفيها بلا اكتراث.
أحيانا الأطفال يحتاجون إلى حزم أكثر من أطباء. لقد دللته الخادمات أكثر من اللازم.
اشتعل شيء مظلم في صدره.
لا تتحدثي عن ابني وكأنه مشروع فاشل.
قبل أن يتصاعد النقاش انفتح الباب بهدوء أكبر.
دخل دون رافائيل كبير الخدم الرجل الذي خدم عائلة سالغادو منذ أكثر من ثلاثين عاما. كان شعره الرمادي مصفوفا بعناية وصوته لا يعلو أبدا.
قال
سيدي الوكالة أرسلت ممرضة أخرى. تقول إن لديها خبرة مع الأطفال الذين يعانون آلاما غير مفسرة.
أطلق أليخاندرو زفيرا طويلا كأن الهواء خرج ومعه آخر خيوط الأمل.
سبع عشرة فشلت قبلها لكن أدخلها.
بعد دقائق دخلت المرأة.
لم تكن تشبه أي واحدة ممن سبقنها.
لا مجوهرات لا كعب عال لا عطر ثقيل.
شعرها الأسود مجدول بإحكام ملابسها بسيطة ويديها تحملان آثار عمل طويل.
لكن عينيها كانتا ثابتتين بشكل أربك أليخاندرو.
قالت بهدوء
اسمي ماريسول فيغا. ممرضة أطفال. من حي لا غيريرو.
ابتسمت لوسيا بسخرية واضحة.
من هناك.
لم ترمش ماريسول.
ذلك المكان علمني كيف أميز بين البكاء المصطنع والبكاء الذي يولده الألم الحقيقي. وابنك يتألم.
نهض أليخاندرو واقفا.
كل الأطباء يقولون
أجابت دون تردد
الألم لا ينتظر التقارير. هل أستطيع رؤيته.
لم يجب. فقط استدار واتجه نحو الدرج.
كل خطوة صعودا كانت تصحبها صرخة.
كل درجة كانت تضغط على صدره أكثر.
في الغرفة العلوية كان توماس متكورا على الأرض وسط ألعاب باهظة الثمن لم يلمسها منذ أيام.
يداه الصغيرتان تضغطان على رأسه ودموعه تسيل بلا توقف.
ركعت ماريسول أمامه ببطء.
هل أستطيع أن ألمس رأسك يا بطل.
أومأ الطفل بصعوبة.
بدأت تفحص فروة رأسه بأطراف أصابعها بحذر شديد.
ثم توقفت.
قالت بصوت منخفض لكنه حاد
أحتاج ضوءا قويا وعدسة مكبرة.
حين أضاءت المصباح تغير لون وجهها.
هناك شيء هنا همست.
ليس مرضا.
سأل أليخاندرو بصوت متكسر
ماذا تقصدين.
ابتلعت ريقها.
شظايا معدنية صغيرة إبر دقيقة. وضعت تحت الجلد.
شهقت لوسيا.
هذا مستحيل!.
رفعت ماريسول نظرها ببرود
هذا متعمد. ومؤلم. ولا يظهر في الفحوصات المعتادة.
بدأت بإزالتها واحدة تلو الأخرى.
ثماني عشرة قطعة.
وحين انتهت همس توماس
لم يعد يؤلمني.
انهار أليخاندرو.
احتضن ابنه وبكى كما لم يبك في حياته.
لكن فوق كتف الطفل رأى لوسيا.
كانت شاحبة.
مرعوبة.
وهنا فقط بدأ كل شيء.
ساد الغرفة صمت ثقيل لم يقطعه سوى أنفاس توماس الهادئة للمرة الأولى منذ أسابيع.
كان رأسه مستندا إلى صدر والده وعيناه نصف مغمضتين كأن الألم الذي كان ينهشه بلا رحمة قد انسحب
أما أليخاندرو فكان لا يزال يحتضنه بقوة كأنه يخشى أن يعود البكاء إذا أفلت ذراعيه.
كانت دموعه تسيل بلا خجل دموع رجل أدرك فجأة أن ثروته ونفوذه وكل ما بناه بسنوات من القسوة والطموح لم تحمه من الخطر الذي تسلل إلى قلب بيته.
وقف ببطء وهو لا يزال يحمل ابنه ونظر إلى ماريسول نظرة مختلفة تماما عن تلك التي استقبلها بها.
لم تعد ممرضة بسيطة من حي فقير بل صارت في عينيه آخر منقذ في عالم بدأ ينهار.
قال بصوت خافت
من من يمكن أن يفعل هذا لطفل.
لم تجبه ماريسول فورا.
كانت تجمع القطع المعدنية في منديل أبيض تعدها بصمت وتتفحصها بعين خبيرة.
ثم رفعت رأسها وقالت
شخص يعرف كيف يخفي الأذى لا كيف يقتله. هذه ليست محاولة قتل هذه محاولة تعذيب.
ارتجف جسد أليخاندرو.
في بيتي.
في تلك اللحظة تقدمت لوسيا خطوة إلى الوراء دون أن تشعر.
كانت تمسك حافة الكرسي وأصابعها شاحبة من شدة الضغط.
قالت بحدة مصطنعة
هذا جنون. تتهمين أحدا بلا دليل.
التفتت ماريسول نحوها ببطء.
لم أتهم أحدا. بعد.
ثم أضافت
لكن من فعل هذا كان قريبا من الطفل. قريبا جدا. شخصا يثق به. يلمس رأسه دون مقاومة.
سأل أليخاندرو وصوته يزداد صلابة
من كان مع توماس في الأسابيع الماضية.
أجابت لوسيا بسرعة
المربيات. كلهن.
تدخل دون رافائيل من عند الباب
سيدي كانت هناك
توقف أليخاندرو.
غادرت.
هز الرجل العجوز رأسه.
اختفت سيدي.