قصة الورث بقلم سمسمه سيد
الحاج جلال كان راجل من النوع اللي صوته مايعلاش، لكن حضوره يملأ المكان.
تاجر قديم بدأ من الصفر، جمع ثروته جنيه فوق جنيه، وعاش عمره مؤمن إن اللي بيبني رزقه بعرقه، محدش يقدر يهده بسهولة. كان قاسي في قراراته، لكن قلبه طيب… يمكن طيب لدرجة إنه صدّق إن ابنه سليم شبهه.
سليم كان العكس تمامًا.
شاب ذكي… بس ذكاؤه اتوجه للطريق الغلط.
من وهو صغير وهو شايف أبوه “جبل مايتهزش”، وكان جواه صوت خبيث دايمًا بيقولله: الجبل ده لو وقع، الدنيا كلها هتبقى ملكك.
كبر الصوت معاه… واتحوّل من فكرة شيطانية لرغبة ملحّة.
المرض هو اللي فتح الباب.
الحاج جلال اتعب فجأة، جلطة خفيفة ما موتتوش، لكن خلّته طريح السرير. جسمه خانته، لكن وعيه كان حاضر. كان سامع كل كلمة بتتقال حواليه، بس عاجز يرد. الدكتور قال إنها “حالة
بدأ سليم يرتّب خطته بدقة مرعبة.
راح للدكتور اللي بيعالج أبوه، وعرض عليه مبلغ كبير مقابل تقرير وفاة مزوّر. الدكتور رفض في الأول، لكن سليم لعب على وتر الطمع:
“انت عارف إن الحكومة مش بتكافئ النزاهة… بس أنا هكافئك.”
بعد شد وجذب، الدكتور وافق. مش علشان مقتنع… لكن علشان اتغلب عليه ضعف لحظة.
بعدها سليم راح للحفار، راجل بسيط بيشتغل في المقابر من سنين.
قالله: “هتدفن أبويا… بس بسرعة ومن غير أسئلة.”
الحفار بصله بريبة، لكن سليم حط في إيده أجره مضاعف.
ساعتها الحفار ما اتكلمش… لكن ضميره اتكلم عنه.
يوم الدفن، كانت الشمس لسه في نص السماء، لكن السما كانت غيومها رمادي، كأنها بتشهد على حاجة مش طبيعية.
الناس اللي حضرت الجنازة كانت قليلة، قرايب
كانوا شايفين جسد راجل على نقالة… لكن ماكانوش شايفين إن الراجل ده كان لسه حي قبل ما يتشال.
سليم وقف قدام القبر، ماسك المجرفة بإيد ثابتة.
كان مصمم إن اللحظة دي تبقى لحظة ميلاده الجديد.
رمي أول حفنة تراب على الجسد وهو بيهمس:
“سامحني يا أبويا… بس ده حقي.”
الكلمة خرجت منه باردة… بلا إحساس.
أما الحفرة فكانت بتبلع التراب ببطء، كأنها بتقاوم الجريمة اللي بتحصل.
الحفار كان واقف جنبه، بيبص للأرض مش للناس.
أما أم سليم، الست الطيبة اللي اتربى في حضنها، ماحضرتش الدفن.
سليم قاللها: “مش عاوزك تشوفي المنظر ده.”
لكن الحقيقة إنه ماكانش عاوزها تشوف حقيقته هو.
رجع البيت الكبير بعد الجنازة.
فتح الخزنة اللي فيها عقود وأموال ودهب.
البيت بقى رسميًا باسمه.
ابتسم لأول مرة من أيام…
لكن الابتسامة دي ما لحقتش تكمل.
الموبايل اهتز في جيبه.
إشعار قديم كان أبوه عامله على تطبيق مخفي، يتفعل لو اتسجلت وفاته.
الإشعار كان رسالة صوتية، محفوظة ومبرمجة تتبعت لسليم بس:
“يا سليم…اللي بياخد مش دايمًا بيملك.
واللي بيدفن مش دايمًا بيموّت.إنت دفنتني قبل ما أموت…فخليتك تعيش بعد ما مت.”
سليم حس قلبه ينقبض لأول مرة.
مش انقباض خوف…
انقباض وعي.
وعي إنه مش بس دفن أبوه…
ده دفن نفسه القديمة، واستلم نسخة جديدة من نفسه… نسخة بتشيل حمل الذنب كل يوم.
راح يقف قدام المراية.
المراية اللي دايمًا كان شايف فيها شاب قوي…
شاف فيها دلوقتي ابن مذنب.
قال بهمس:
“أنا عملت إيه؟”
والمرة دي…
المراية ما ردتش…
لكن دموعه ردّت.
الورث الحقيقي ما كانش دهب ولا فلوس.
الورث الحقيقي
إن اللي مات ماكنش في القبر…
اللي مات كان اللي خرج منه وهو بيرمي التراب.