جوزي كان مانعني

لمحة نيوز

جوزي كان مانعني تمامًا إني أروح بيت الريف بتاعه. بعد ما مات، المحامي إداني المفاتيح وقال:
«دلوقتي بقى ملكِك».
كنت ناوية أبيعه على طول، بس الفضول غلبني. أول ما فتحت الباب… اتجمدت في مكاني.
لأن اللي شوفته جوّه ماكنش مجرد بيت — وغيّر كل حاجة كنت فاكرة إني عارفاها عنه.
الجزء الأول – المكان اللي عمري ما كان مسموحلي أشوفه
طول تلاتة وعشرين سنة جواز، جوزي كان عنده قاعدة واحدة بس…
قاعدة ما بتتغيرش:
«ما تروحيش بيت الريف.»
كان دايمًا يقولها بهدوء.
لا زعيق، ولا عصبية، ولا حتى نبرة حادة.
كأن الموضوع نفسه ما يستاهلش أي إحساس.
ويكمّل وهو بيقفل الجاكيت أو بيصب قهوة تانية:
«مفيش هناك حاجة تهمك.»
في الأول، تقبلت الكلام بسهولة.
البيت بعيد عن المدينة، قديم، ومتعب.
كان ورثه قبل ما نعرف بعض.
قلت لنفسي: أكيد مليان ذكريات مالهاش دعوة بيا.
وكل واحد من حقه يكون عنده باب مقفول واحد في الجواز… كده كنت مقنعة نفسي.
بس مع الوقت، الباب ده تقّل.
لما أصحابنا كانوا يسألوا ليه مش بنقضي ويك إند هناك،
جوناثان كان يضحك ويهزر:
«الدنيا هناك ساقعة، هتتعب.»
أو:
«بقى مخزن وخلاص.»
وأنا

اتعلمت أبتسم وأسكت.
جوازنا كان ثابت.
فيه حب.
ومتوقّع… زي ما الحياة بتبقى لما تنشغل.
أو ده اللي كنت فاكرة.
جوناثان مات فجأة، صباح يوم تلات.
القهوة كانت لسه سخنة على الرخامة،
والجورنال مفتوح.
قالوا جلطة قلبية.
من غير أي إنذار.
من غير وداع.
الحزن فرّغني من جوايا.
بقيت ماشية في الأيام كأني تحت المية.
أجهز الجنازة، أسمع العزا، أمضي ورق من غير ما أقراه.
بعد أسبوع، قعدت قدّام المحامي.
زق قدامي طقم مفاتيح صغير.
قال:
«بيت الريف… بقى ملكك بالكامل.»
بصّيت للمفاتيح وقلت:
«هو عمره ما سمحلي أروح هناك.»
المحامي هز راسه بهدوء:
«كان واضح جدًا. البيت ليك إنتِ، من غير أي شروط، ولا قيود.»
في اللحظة دي، قررت أبيع البيت.
ما كنتش عايزة حاجة تانية تفكرني بواحد ما ينفعش أسأله.
حاجة تانية مليانة سكوت.
بس السكوت ساعات بينادي.
في يوم هادي، من غير ما أقول لحد،
ركبت العربية وروحت هناك.
أول ما فتحت باب البيت ودخلت…
وقفت مكاني.
لأن اللي شوفته ماكنش إهمال.
ولا بيت مهجور.
كان قصد.
وترتيب.
وحاجة متحضّرة بعناية…البيت كان نضيف… زيادة عن اللزوم.
مش نضافة بيت مهجور،
نضافة حد بييجي
هنا ويمشي وهو مطمّن.
التراب قليل،
الهواء تقيل،
وكأن المكان محتفظ بأنفاسه.
مشيت خطوة خطوة.
الأثاث قديم، بس متصان.
الستائر متغسلة.
ولا حاجة مكسورة.
على الترابيزة في الصالة،
كان في إطار صورة مقلوب.
قلبي دق أسرع.
قلبته.
كانت صورتي.
مش قديمة قوي…
صورة ليا من حوالي عشر سنين.
لابسة نفس الفستان اللي كنت بلبسه في شغل مهم،
والابتسامة اللي كنت بلبسها قدّام الناس.
وقفت.
إيدي رعشت.
ليه صورتي هنا؟
دخلت أوضة النوم.
السرير متوضّب.
على الكومود، ساعة يد…
ساعته.
نفس الساعة اللي قالّي زمان إنها اتكسرت.
فتحت الدولاب.
مش لبسه…
لبسي أنا.
فستان ما لبستوش غير مرة.
شال كنت فاكرة إني ضيّعته.
حتى البرفان القديم اللي بطّلت أستعمله.
كنت داخلة بيت…
بس حاسة إني داخلة ذاكرته.
الجزء التالت – الرسالة
في المكتب الصغير،
كان في درج مقفول.
المفتاح كان مع المفاتيح.
فتحته.
جواه ظرف أبيض،
عليه اسمي بخط إيده.
قعدت قبل ما أفتحه.
ركبتي كانت بتترعش.
الرسالة كانت قصيرة…
بس كسرتني.
«لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مش موجود.
يمكن عمري ما عرفت أشرح،
ولا عمري كنت شجاع كفاية أقول الحقيقة في
وشك.»
«البيت ده ما كانش سر،
كان ملجأ.»
«أنا عمري ما كنت قوي زي ما إنتِ فاكرة.
لما كنت بحس إني قليل،
لما أحس إني مش كفاية ليك،
كنت أهرب هنا.»
«كنت بخاف تشوفيني ضعيف.
بخاف تشوفي الراجل اللي بيغار من نجاحك،
اللي بيحس إنه واقف في ضلك.»
«هنا كنت أكتب،
أرتّب أفكاري،
وأتعلّم إزاي أرجعلك راجل تستحقيه.»
«صورتك كانت هنا عشان أفكّر نفسي
ليه لازم أرجع.»
«سامحيني لأني حبست نفسي،
بدل ما أشاركك خوفي.»
الرسالة وقعت من إيدي.
الجزء الرابع – الحقيقة اللي وجعت وداوت
فهمت.
ما كانش عنده حياة تانية.
ولا سر قذر.
ولا خيانة.
كان عنده خوف.
خوف من إني أشوفه مكسور.
خوف من إني أكتشف إنه مش دايمًا قوي.
خوف من إنه يبان صغير قدّام واحدة كان شايفها أكبر من الدنيا.
البيت ده
ما كانش مكان بيستخبى فيه مني…
كان مكان بيحاول يبقى أحسن عشاني.
قعدت على الأرض
وبكيت لأول مرة من يوم ما مات.
مش عشان الفقد…
عشان الحقيقة.
الجزء الأخير – القرار
ما بعتش البيت.
صلّحته.
فتحت الشبابيك.
شلت الصور،
بس سيبت الرسالة في مكانها.
بقيت أروح هناك كل شهر.
مش عشان أفتكره…
عشان أفهمه.
وعرفت حاجة واحدة متأخر:
أكتر
الناس اللي بنحبهم
مش بيخبّوا عنّا خيانة…
بيخبّوا ضعفهم.
والبيوت المقفولة
مش دايمًا فيها أسرار سودا…
ساعات بيبقى فيها
قلب حاول…
وما عرفش يقول.

تم نسخ الرابط