نيران باردة
نيران باردة
لم تكن تعلم أنها، في تلك اللحظة الصامتة، قد وقّعت بيديها على قدرٍ يمكن وصفه بكل شيء…
إلا الحياة.
بعد سنواتٍ طويلة من الانتظار القاسي، ونظراتٍ تلسع كالنار، وكلماتٍ جارحة عن “تأخر زواج بنت” في قريةٍ صغيرة يُحصى أهلها على الأصابع، تمّ الاتفاق أخيرًا.
اتفاقٌ بين أهلها وعائلة الشاب الذي تقدّم لخطبتها، أو هكذا قيل لها.
دخلت أمل لتقدّم القهوة.
قلبها يخفق، ولسان حالها يتساءل بخجلٍ وحذر:
من يكون؟ كيف شكله؟ هل سيكون طوق نجاة؟
كان شابًا متوسط الطول، أسمر البشرة، شعره قصير متجعد، كأن فرشاة لم تعرف طريقها إليه يومًا.
ملامحه عادية… جاذبيته مقبولة.
لكن ما شدّ انتباهها أكثر كان من معه:
رجل مسنّ في عقده السابع، وامرأة ثلاثينية بملامح خشنة، لولا غطاء الرأس لظننتها رجلًا آخر.
كتمت أمل ضحكة خفيفة في سرّها.
ألقت السلام وجلست، محاصرةً بنظرات متفحصة من الضيوف، ونظرات مترقبة من أمها، وزوجتي أخويها.
نظراتٌ تقول بوضوح:
أسرعوا…
كلمات ترحيب خجولة كسرت الصمت، ثم قال الرجل المسن بصوت واثق:
«تفضلي يا عروستنا…
سمعنا كثيرًا عن أخلاقك، وجئنا نطلب يدك. نحن من قرية قريبة، وعاداتنا واحدة.
لنختصر الطريق.»
ردت الأم بلهجة رسمية:
«أهلًا وسهلًا، تشرفنا زيارتكم.»
ساد الصمت.
ثم قال الرجل:
«ستكون أمل في رعايتنا، وسنوفر لها الاحترام والحب. لا نعد بمهرٍ عالٍ، لكن الراحة مضمونة.
أطلب يد ابنتكم أمل على سنة الله ورسوله.»
انتظرت أمل، وانتظر الجميع، أن يكمل الجملة:
لِابني…
لكن الكلمات لم تأتِ.
قالت الأم بترددٍ فطري:
«تقصد… لابنك؟»
ابتسم الرجل وقال بهدوء قاتل:
«لا. لي أنا.
بعد وفاة زوجتي، أصرّ أولادي أن أتزوج من جديد.»
في تلك اللحظة، تلاشت أحلام أمل.
رفعت رأسها ببطء، ونظرت إلى وجه الرجل للمرة الأولى.
رأت التجاعيد، ونظرة الإعجاب، والانتظار المستعجل، كأنها صفقة لا يجب أن تضيع.
تلاقت نظرات الأم وأبنائها وزوجاتهم،
وجهٌ بلا تعبير.
قالت الأم بصوت منخفض:
«نتشرف بك… ومن حقك أن تكمل حياتك.»
تكمل حياتك؟
قالتها أمل في سرّها.
وهل بقي من العمر ما يُكمَّل؟
أمسكت الأم يدها في الغرفة المجاورة:
«ما رأيك؟»
قالت أمل، بصوت مكسور:
«لا… لن أتزوج رجلًا مسنًا وأدفن حياتي.»
ردّت الأم بقسوة:
«هو رجل، وسيعطيك بيتًا. الأعمار بيد الله.
وأنتِ الآن عانس… وهذه فرصة قد لا تتكرر.»
لم تترك لها مجالًا للرد.
جففت دموعها بكمّ ثوبها، وسحبتها إلى الضيوف.
«مبروك…
أمل وافقت. نقرأ الفاتحة.»
فُتحت الأيدي لفاتحةٍ تشبه فاتحة ميت.
ضغط الرجل على يد أمل بظرافة مصطنعة.
هزّت رأسها بصمت.
لا يهم… سيتزوجونها وينتهي الأمر.
نامت أمل تلك الليلة غارقة في بحر الخذلان، واستيقظت تتمنى لو كان كل ما حدث كابوسًا.
لكنه كان حقيقة.
بعد يومين، جاءوا لكتابة الكتاب.
الهدايا، الشيخ، الشهود.
كانت أمل صامتة… كخروف العيد يُساق إلى الذبح دون مقاومة.
وفي يوم العرس،
لاحظت أمل حفيدة في العشرين… أصغر منها بسنوات.
ابتسمت بمرارة.
ناداها أخوها:
«وقّعي هنا.»
«على ماذا؟»
«تنازلك عن ورثة البيت والأرض… مثل أخواتك.»
وقّعت.
بسرعة.
ببرود.
استلقت أمل قليلًا…
لم تأكل، لم تنم، الضجيج أثقل رأسها، والخذلان كسر روحها.
أغمضت عينيها… ولم تفتحهما ثانية.
لم تستفق.
جاءت الطبيبة، هزّت رأسها:
«انتهى.»
ماتت أمل… بلا أمل.
بصمت.
خلعت ابنة العريس القلادة الذهبية من عنقها، وقالت ببرود:
«العمر لكم.»
وغادروا… كأن شيئًا لم يكن.
بقيت أمل وحدها.
ممددة على السرير.
ولأول مرة… بسلام.
لقد رفضت بروحها ما لم تستطع رفضه بلسانها.
تمردت على القسوة، واختارت الرحيل قبل أن توقّع شهادة موتها بيدها مرةً أخرى.
ما أقسى أن تكون صفرًا على الشمال.
غير مرئي.
مفعولًا بك… لا فاعلًا.
رحلت أمل، وعلى وجهها طيف ابتسامة لم يلحظها أحد.
سافرت حيث السماء رحبة…
حيث يمكنها أخيرًا أن تكون نجمة، أو قمرًا…
وربما
رحلت…
وحملت معها قهر العالم كله
قصة للكاتبه يسري كنعان صديقة الصفحة
وكل من لديه قصة يريد نشرها يمكن ارسالها إلينا