كِدتُ أتصل بالشرطة بسببه لستُ أمزح

لمحة نيوز

كدت أتصل بالشرطة بسببه.
لست أمزح.
عندما تعمل في نوبة الليل من الحادية عشرة مساء حتى السابعة صباحا لسنوات طويلة كما فعلت أنا يتكون لديك رادار خاص للمشاكل. وعندما ترى فتى يرتدي سترة رمادية بقلنسوة رأسه مطأطأ يتجول بين الممرات في الساعة الثالثة والربع فجرا تبدأ غرائزك بالهمس بالتحذيرات.
أنا في الثانية والسبعين. في مثل هذا العمر كان ينبغي أن أجلس بجانب بحيرة ومعي صنارة صيد لا أن أرفع أكياس طعام الكلاب أو أرتب علب حبوب الإفطار. لكن معاشي التقاعدي تبخر قبل عشر سنوات والضمان الاجتماعي بالكاد يغطي الأساسيات. لذا ها أنا هنا في هذا المتجر الضخم أتعامل مع كل ما تجلبه الليالي السكارى المشاجرات والأرواح الضائعة القادمة من قسم الطوارئ القريب.
لكن هذا الفتى لم يكن مثل الآخرين.
كنت أراه أولا على شاشة المراقبة. كان يدخل كل يوم ثلاثاء وخميس في التوقيت نفسه تماما. يحمل سلة يد حمراء ثم يبدأ جولة بطيئة في المتجر الخضار المخبز اللحوم الجاهزة وكل ممرات البضائع الجافة.
كان يتحرك وكأنه يقيس العالم. يلتقط علبة مكرونة يقرأها كأنها رواية يتفقد السعرات يتفقد السعر ثم يعيدها إلى مكانها. يفعل الشيء نفسه مع الشامبو والحبوب والمقرمشات وكل شيء.
وفي كل زيارة كان يغادر دون أن يشتري شيئا.
بعد أربعة أسابيع اقتنعت أنه يخطط لسرقة. ربما يدرس النوبات أو يحدد النقاط العمياء. وأخيرا قلت لنفسي
يا فرانك الليلة ستعرف الحقيقة.
في الرابعة فجرا تماما عندما اتجه نحو المخرج وسلته

فارغة كعادتها وقفت أمامه.
قلت محاولا أن أبدو صارما كعامل الورشة القديم الذي كنته
مشيت هنا أكثر من نصف الموظفين. هل تنوي شراء شيء يوما ما أم أنك خبير الجرد الجديد لدينا
توقعت أن يهرب. أو يصرخ. أو يكذب.
لكنه ارتبك. وكأنه ظن حقا أنني قد أؤذيه. رفع يديه المرتجفتين.
قال بسرعة
أنا خارج. لم آخذ شيئا. يمكنك أن تفتشني.
عندها نظرت إليه حقا نظرت.
لم يكن خطيرا.
ولم يكن واثقا.
كان منهكا.
هالات سوداء شفاه متشققة نحيلا كعود. بالكاد فتى في عمر حفيدي.
قلت له بلطف
لست هنا لأطردك. أريد فقط أن أعرف لماذا تتجول في الممرات بسلة فارغة.
نظر إلى حذائه ثم إلى الأبواب الزجاجية ثم همس أخيرا
بسبب الضجيج.
رمشت بعيني.
الضجيج
أشار إلى الخارج نحو موقف السيارات الخالي.
هناك هدوء مخيف. وعندما أنام في سيارتي يوقظني أي صوت صغير. ولا أستطيع إقفال الباب الخلفي جيدا.
ابتلع ريقه بصعوبة.
لكن هنا الأضواء الموسيقى رائحة الدجاج المشوي أشعر كأنني في بيت. عندما أحمل السلة وأتجول يظن الناس أنني أتسوق فقط. لمدة خمس وأربعين دقيقة أستطيع أن أتظاهر بأنني لست مشردا. وأنني فقط أختار ماذا سأطبخ للعشاء.
كلماته ضربتني في بطني كلكمة.
اسمه كان جاكسون. سبعة عشر عاما. توفيت أمه قبل عامين. لم يعرف والده قط. وعندما ارتفع الإيجار طرد من السكن. كان يحاول إنهاء شهادة ال مستخدما واي فاي المكتبة وينام في سيارة متضررة مركونة في آخر الموقف خائفا من الملاجئ.
لم يكن يراقب المتجر.
كان يحاول أن يشعر
بإنسانيته من جديد.
قلت له أن ينتظر دقيقة.
ذهبت إلى غرفة الاستراحة وأحضرت شطيرة الديك الرومي والتفاحة التي أعددتها لغدائي في الثالثة فجرا مع زجاجة ماء من المبرد.
قلت وأنا أعطيه الكيس
الثلاثاء والخميس. انتظرني عند باب التحميل حوالي الثالثة والنصف. تجول في الممرات كما تشاء. وإذا سألك أحد قل إنك تنتظر جدك لينهي نوبته. أنا الجد.
كان ذلك قبل ثلاث سنوات.
وكما تعرفون أسرار البلدات الصغيرة لا تبقى مخفية طويلا. لكن أحيانا يكون ذلك نعمة.
سارة خبازة الليل لاحظت أن شطيرتي تختفي مرتين في الأسبوع. وعندما عرفت السبب بدأت تترك أخطاء كعكا أو خبزا مثاليا أصبح فجأة محمرا أكثر من اللازم للبيع.
عامل الخضار صار يضيف موزا وبرتقالا إلى كيسه.
كان يقول الولد يحتاج فيتامينات.
وقريبا أصبحنا عملية كاملة من اللطف الصامت نراقب سيارة جاكسون نسمح له باستخدام حمام الموظفين ليغتسل ونتأكد أن لديه طعاما دافئا.
ثم أرسلت الإدارة الإقليمية مديرة تفتيش. امرأة صارمة اسمها السيدة غالاوي بدلة أنيقة دفتر ملاحظات لا هراء.
في إحدى الليالي وجدت جاكسون في غرفة الاستراحة ومعه كتاب دراسي كنت قد اشتريته له.
استدعتني إلى المكتب. دخلت مستعدا لتسليم الشارة والمفاتيح.
قالت
هل هذا هو الفتى الذي ينام في السيارة الفضية
قلت
نعم يا سيدتي. إذا كان لا بد من فصل أحد فافصليني أنا.
الجميع فقط فعلوا ما بدأته.
نظرت إلي بثبات. لم تكن غاضبة. فقط متعبة.
قالت بهدوء
ابني مر بتجربة مشابهة. عاش في الشارع
شتاء كاملا. ولم ينج.
فتحت درج مكتبها وأخرجت استمارة توظيف.
قالت
لا يمكننا توظيف شخص دون عنوان إقامة دائم. لكن لدي غرفة فوق المرآب أستخدمها للتخزين فقط. إذا كتب عنوانها كمقر سكنه فسيكون مؤهلا. نحتاج عامل ترتيب ليلي. يبدأ يوم الاثنين. أنت ستدربه.
لا أظنني رأيت شابا يعمل بجد مثله. جاكسون كان يهاجم كل مهمة. ادخر كل راتب. أنهى شهادة ال.
الشهر الماضي ارتديت ربطة عنق حدث بحد ذاته وجلست على كرسي قابل للطي في الكلية المجتمعية.
نادوا اسمه
جاكسون.
متخرجا بمرتبة الشرف في تقنية التكييف والتدفئة حرفة تبنى بها حياة.
ألقى كلمة الخريجين. لم يتحدث عن الدرجات أو المدرسين.
تحدث عن متجرنا الذي يعمل 24 ساعة.
قال
عندما تكون فقيرا تصبح غير مرئي. ينظر الناس من خلالك لأن الرؤية مؤلمة. لكن في إحدى الليالي رجل في الثانية والسبعين يرص علب الحساء نظر إلي وجعلني مرئيا من جديد.
لم تبق عين واحدة جافة في القاعة.
لكن هناك شيء لا يعرفه جاكسون
لم يكن الأخير.
منذ أن استقام حاله بدأنا نلاحظ الآخرين الأم الوحيدة التي تتجول في الممرات لتبقي طفلها في مكان بارد المحارب القديم الذي يجلس قرب الصيدلية فقط ليسمع أصواتا الرجل الذي ينام في شاحنته ويحتاج فقط مكانا دافئا ليقف فيه.
الآن نراهم جميعا.
لدينا نظام
العلب المتضررة.
الخبز الذي مضى عليه يوم.
المعاطف الدافئة غير المطالب بها.
ونقطة لقاء عند باب التحميل كل ثلاثاء وخميس.
جاكسون لم يعد هناك لكن دائما يوجد شخص ما.
كل هذا لأنني
توقفت عن الحكم على سلة فارغة
وسألت السؤال الوحيد الذي يهم حقا
هل أنت بخير

تم نسخ الرابط